Saturday, October 18, 2008

الأستاذ سين وحكايته مع التدخين

الأستاذ س رجل محترم وموظف بالحكومة ، يعانى من حساسية الصدر ولكن حظه العاسر يوقعه دائماً فى طريق المدخنين الذين لا يرحموه وتدفعهم أنانيتهم القذرة لمواصلة التدخين جواره ، يحكى لى عن إحدى رحلاته إلى القاهرة بعد أن أنهى مهمة فى عمله بأحد مراكز محافظة الشرقية بمصر ، وسوف أعيد قصته لكم , وسأرمز له بالرمز س ولغيره بالرمز ص أو حسب سياق القصة :

س : لو سمحت أين سيارات الأجرة المتجهة إلى القاهرة ؟
ص : إنها فى ميدان عرابى بالزقازيق
س : شكراً .. تاكسى .. ميدان عرابى لو سمحت
السائق : تفضل
س : لو سمحت السيجارة التى تدخنها تخنقنى لأن عندى حساسية
السائق : معلهشى أنا لسة مولعها ومش ممكن أطفأها الآن .. هل تريد النزول ؟
س : نعم أريد النزول
السائق : مع السلامة
س: يقول لنفسه : سأركب السيرفيس أفضل
س : يشير بيده للسيرفيس فيتوقف أمامه
س: ميدان عرابى
السائق : ماشى
س: يركب ويجلس جوار شخص يدخن
س : لو سمحت أنا عندى حساسية ولا أستطيع تحمل سيجارتك
المدخن : يا أستاذ ابقى خذ تاكسى خصوصى علشان تبعد عن التدخين
س : ينظر إليه فى تعجب ويقول : لو سمحت أنا أختنق من السجائر
المدخن : يا أفندى مش عاوزين عكننة على الصبح .. إنتقل إلى كرسى آخر
س : يقوم ويترك الكرسى ويذهب بعيداً ولا يجد كرسياً خالياً فيضطر للوقوف حتى يصل إلى المحطة التى يريدها .
س: يسأل سائق البيجوه هل أنت ذاهب إلى القاهرة
السائق : نعم
س: هل تسمح بالتدخين فى سيارتك ؟
السائق : لا طبعاً
س : اشكرك
تتحرك السيارة وبعد عشر دقائق يشعر س بضيق فى نفسه فينظر فى كل الإتجاهات ليجد أحد الركاب يدخن سيجارة فى السيارة البيجوه التى تحمل سبعة ركاب غير السائق ، وحيز الفراغ فيها ضيق جداً ، وقد أغلق كل الركاب النوافذ المجاورة لهم لأن الهواء يدخل عليهم بعنف .
فقال للسائق : الم تقل أنك لا تسمح بالتدخين فى سيارتك؟
السائق : طبعاً
س : كيف ذلك ويوجد بالخلف رجل يشعل سيجارة تكاد تخنقنى
السائق : الأخ الذى يدخن سيجارة لو سمحت تطفأها
المدخن : ليه هو احنا فى المركز عند المأمور ؟ ماتخلقشى اللى يخلينى أطفىء السيجارة .
السائق : يوجد فى السيارة شخص عنده حساسية بالصدر ويوجد سيدة معها طفلان
المدخن : وأنا مالى ، يبقوا يأجروا لهم عربية مخصوص ، أما أنا لن أطفىء السيجارة حتى لو انقلبت السما على الأرض .
س : لو سمحت يا أسطى نزلنى لأننى أكاد أموت
أحد الركاب للمدخن : يا أخ أطفىء السيجارة طالما هناك من يتضرر منها
المدخن : وانت أيش أخششك يا افندى ؟ خليك فى حالك
يرد الراكب : يعنى ايه خليك فى حالك ؟ خلى عندك زوق بنقول لك واحد عيان وفيه أطفال ، هو مفيش إحساس ؟
المدخن : أنت بتشتمنى يا تافه يا عديم الكرامة ..
السائق يوقف السيارة وينزل الركاب وتحدث مشادة كلامية وشتائم ، ويقتنص س الفرصة لكى يتنفس ويكح خارج السيارة ثم يقول للمدخن : يعنى هو من الأخلاق انك تدخن فى السيارة ؟
المدخن : أنا أخلاقى أحسن من أخلاقك وأنا أحسن منك
س : يقول للسائق لن أستطيع مواصلة الطريق معك
السائق : كيف ذلك ؟ أنت ركبت معى من المحطة ومحسوب على العربية راكب يعنى لو عاوز تنزل تدفع الأجرة
س : أدفع الأجرة ازاى وانت ما وصلتنيش ، وما أقدرشى أركب فى سيارة فيها مدخنين وقد اشترطت عليك فى المحطة وأنت أكدت لى أنك لا تسمح بالتدخين فى سيارتك .
السائق : أنا مليش حكم على الركاب
س : وأنا مش حركب إلا إذا تعهدت لى بعدم السماح لأحد بالتدخين .
السائق : ما رأيكم ياجماعة ؟
أحد الركاب : بصراحة السيد س عنده حق ولا يصح لأحد التدخين فى وسائل المواصلات لأنه يلوث الجو ويزيد المريض مرضاً .
السائق : خلاص اركب يا استاذ ولك على محدش حيدخن تانى .

وصلت السيارة القاهرة ، ونزل س عند محطة مترو الأنفاق ، ووجد محطة المترو نظيفة جداً ، ولا أحد يدخن ، فتعجب جداً وشعر أنه فى دولة أخرى ومع شعب آخر ، وتساءل لماذا لا يتحلى الناس خارج المترو بنفس الأخلاق ، ومن شدة ذهوله كان يتساءل بصوت مرتفع ، فرد عليه رجل يقف إلى جواره قائلاً : لأن هنا غرامة عشرة جنيهات يدفعها المدخن فوراً وكذلك الذى يرمى زبالة أو غيره يدفعها أيضاً
س : يعنى الناس خايفة من الغرامة ؟ ألمحاور : طبعاً
س : يعنى مش حكاية أخلاق ؟
المحاور : أخلاق ايه يا استاذ ، طيب ما هم هؤلاء الأشخاص لما يطلعوا خارج المترو بيدخنوا فى كل حتة وبيرموا زبالتهم فى اى مكان !!!
س : وما الحل ؟
المحاور : لا يوجد حل سوى قوانين صارمة وغرامات كبيرة ولوائح يتم تطبيقها على الأقوياء والأغنياء قبل الضعفاء والفقراء .
س: متى يتم تقنين ذلك ؟
المحاور : يمكن قبل يوم القيامة بساعتين .. ههههههههه سلام لأن المترو وصل
س : سلام

Tuesday, May 13, 2008

ألطيب والخبيث

لوحة 1 :

بعد يوم طويل من العمل الشاق فى خدمة الناس وتقديم العون لهم فى كل صغير وكبير والمسح على رأس يتيمهم وتقديم المعونة لفقيرهم وحث غنيهم على مثل ذلك , وبث النصيحة المخلصة والكلمة الطيبة فى كل مجلس يحضره وفى كل مكان يعبره , وبعد أن يغمر كل قلب يقابله بنظرة حب وإحترام وتقدير , عاد عم حامد الطيب مجهداً إلى منزله المتواضع بين أولاده وبناته الطيبين وزوجته الهادئة الطباع حيث يستقبلوه ككل يوم بمشاعر الشوق والحب والمودة الراقية , فيجلس وسطهم ليستريح ثم يتناول بعض الطعام الذى يسد الرمق ثم يؤدى فريضة ربه ثم يخلد للنوم بعد يوم ملىء بالعمل الصالح والجهد الطيب من أجل الإنسان فى أى مكان .

أولاده لا يتركوه ينام نوماً عادياً بل لقد تعود على قبلاتهم الحانية منذ كانوا أطفالاً ولم تزل هذه العادة فيهم متمسكين بها حريصين عليها فتأتى طفلته الصغيرة وتقبله وتلقى عليه السلام ثم يأتى باقى البنات والأولاد فيقبلونه ويكون فى قمة السعادة ثم يخلد فى نوم عميق .

هذا اليوم نام كثيراً وراح فى عالم آخر من الجمال والروعة واللذة فهاهو يرى نفسه فى غرفة مذهلة كأنها صنعت من قطع الماس وبها فرش كأنه العسجد , وأثاث لم ير له مثيلاً فى حياته الدنيا وروائح من عطور ورياحين وورد وفل وياسمين , وزهور ونباتات غاية فى الجمال تحيط به من كل ناحية , وشجر ينبت بثمار بضة شديدة الحمرة مثل تفاح الدنيا ولكن لذته أشد وأعمق وأعناب وتمر وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وعسل شهى مصفى ولبن لم يتغير طعمه وماء زلال غير آسن وخمر لا يذهب بالألباب , وزوجة طيبة حانية محبة أكثر بهاءاً وجمالاً من زوجته فى حياته الدنيا ,

كان يسأل نفسه وهو فى خضم رؤياه هل أنا مت وانتقلت إلى العالم الآخر وأدخلنى ربى جنات النعيم بعد أن غفر لى وصفح عنى ؟ ما هذا الإبداع الذى أراه وما هذا الجمال الذى يخلب الألباب ويأخذ بالعقول ويأسر القلوب ؟ ما هذه اللذات المنقطعة النظير ؟ بيت من ماس وفرش من عسجد ؟ واثاث ليس له مثيل وزوجة رائعة البهاء والسحر والجمال ؟ إننى أعرفها جيداً , إنها زوجتى وحبيبتى فى حياتى الدنيا ولكنها هنا أكثر حسناً وبهاءاً وروعة وجمالاً , سبحان ربى مالك الملك , ما هذا الذى أرى ؟ وما هذه المساحات المترامية الأطراف من الزرع والنبات بكل أنواعه واشجار الفاكهة وشتى أنواع الثمار الطازجة اللذيذة ؟ وما هذه المشروبات الجميلة التى لا يزول طعمها بل يزداد تأثيراً كلما مر الوقت ؟ هل فعلاً أنا فى الجنة ؟

وما هذه المخلوقات الجميلة الطلعة االبهية المنظر الرائعة الحسن التى تدخل علىّ من كل باب يلقون عليّ السلام ويحيونى ثم يطيرون بأجنحتهم الرائعة المزركشة ويطوفون حول المكان ؟ هل هؤلاء هم ملائكة الرحمة الذين قرأت عنهم فى القرآن الكريم وعرفت صفاتهم من آياته الكريمات ؟

لوحة 2 :

وعلى الجانب الآخر وفى نفس القرية يعيش السيد حاقد خبيث يعود كل مساء مقطّب الحاجبين , سىء الطلعة قبيح المنظر , وشياطين العالم تتراقص على وجهه بعد يوم عسير من العمل الشاق فى الغش والنهب والسرقة وأكل حقوق الناس بالباطل والتهكم من الطيبين والإستهزاء بالصالحين لأنه يعتبر أن كل طيب فاعل للخير هو غبى لا يعرف مصلحته ويرى أن كل إنسان له عقل يفهم أو قلب يعقل يجب أن يستغل موقعه ومنصبه فى نهب الناس والضحك على ذقونهم والنصب عليهم لجمع أكبر قدر من الأموال ولتملك أوسع مساحة من الأرض وبناء أكبر عدد من العمائر التى تؤجر للناس أو تباع تمليك بأسعار خيالية .

يدخل حاقد خبيث على بيته فيرفس الباب برجله ولا يلقى على أهل السلام ويلعن زوجته وأولاده ويطلب الطعام فيأتى له فى الحال أشهى أنواع الطعام فيلتهمها كأنه تمساح جائع ولا يحمد ربه ولا يعرف لله طريقاً , فهو فاسد مفسد دائماً شيطان شرير يكره الناس جميعاً ولا يطيق أن يسمع عن قصة نجاح حقيقى أو أن فلاناً قد وفق فى كذا أو كذا فما يلبث أن ينزل لعناته وغيبته ونميمته على جيرانه الطيبين وأهل بلده المخلصين ثم يقوم ليذهب إلى فراشه لينال قسطاً من الراحة بعد يوم شيطانى شاق فى الظلم والإستبداد والتخريب والتعذيب والتضييق على الخلق وبث الكراهية والحقد فى القلوب .

نام فى هذا اليوم نوماً عميقاً جداً فرأى نفسه مقيداً بسلاسل وجنازير من حديد ملتهب خرج للتو من نار قديمة ووجد مخلوقات عجيبة الشكل واللون والمشهد حمر العيون تخرج النيران من عيونهم ويحملون فى أيديهم مقامع من حديد يضربونه بها على وجهه وظهره ضرباً مبرحاً ثم يسحبونه على وجهه على أرض ملتهبة تنبت بالجمرات ورأى مخلوقاً مخيفاً يحضر له نبتة من شجرة إسمها الزقوم ويدخلها فى حلقه فتحرق حلقه وبطنه وتشعل النيران فى كل جسمه , ثم يطلب ماءاً فيأتيه مخلوق مخيف يصب فى فمه وجوفه ماءً يغلى كالمهل كغلى الحميم يقطع أمعاءه فيشربه باكياً متذللاً ويطلب الرحمة فلا يجيبه أحد ثم ينظر إلى أعلى بعيداً جداً فيرى جاره حامد الطيب يجلس فى قصر عظيم وحوله كل خيرات الله تعالى فيطلب منه أن يفيض عليه من هذا الماء الزلال أو الطعام اللذيذ الذى حرم منه ولم يعد يتذوق غير الزقوم والجمر والماء الذى يغلى فى بطنه كالمهل , فيرد عليه قائلاً أن الله حرمهما على الكافرين , ثم يرى أشباحاً عجيبة تحوم حوله وجوههم كان يعرفها فى الدنيا نعم إنهم هؤلاء الذين طغى عليهم وتجبر وظلمهم وقهرهم وعذبهم وحقر من شأنهم وسرق خيراتهم ونهب أرزاقهم , ولكنهم ليسوا هم إنهم مخلوقات تشبههم جاءوا نحوه يسومونه سوء العذاب بما قدمت يداه فى الدنيا الفانية التى غرته وغره فيها بالله الغرور .

كان يحاول أن يهرب من هذا العذاب الرهيب ولكنه كان يجد مخلوقات مخصصة للعذاب تقوم بإعادته إلى قعر جهنم فيستغيث ولا من مجيب ...ويطلب من أكبرهم قائلاً له أدع ربك يخفف عنا يوماً من العذاب فيرد عليهم قائلاً إنكم ماكثون ..

لوحة 3 :

زوجة حامد الطيب ذهبت لإيقاظه فلم يستيقظ لقد مات وقابل وجه مولاه سبحانه وتعالى , بكت بحرقة شديدة ولكن قلبها المؤمن بالله واليوم الآخر يأبى أن تكون غير صابرة فأحاطوا بالرجل كما تحيط ملائكة الرحمة بعباد الله الصالحين ثم قاموا بعمل ما يلزم لأبيهم من غسل وصلاة عليه ودفن فى مقابر الغلابة فى لحد تحت الأرض واحتسبوه عند مولاهم ودعوا له بالرحمة والمغفرة .

وفى طريقهم إلى البيت بعد مراسم الدفن كانوا يقرؤن قول الله تعالى :

(( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )) النحل 30-32

لوحة 4 :

زوجة حاقد خبيث تدخل لإيقاظه ليستأنف ظلمه وجبروته ولكن الله تعالى يأبى ذلك فقد انتهت حياة حاقد الظالم ولم تعد لديه أى فرصة للتوبة إلى الله تعالى وقد عمره الله فى الأرض ما يتذكر فيه من تذكر ورأى نهاية الذين ظلموا أنفسهم وتبين له كيف يفعل الله بالمجرمين وكيف يأخذهم أخذ عزيز مقتدر فلا يفلتهم أبداً ..

خرجت زوجته ونادت أولادها فى سعادة بالغة كأنها عثرت على كنز , فجاءوا إليها مهرولين غير مصدقين أن الظالم قد فارق الحياة وقد آن لهم الأوان أن يذوقوا طعم الحياة ولذتها ويتمتعوا بما تركه لهم من ثروة طائلة وليذهب هو إلى الجحيم وبئس المصير .

ثم قاموا بعمل إجراءت دفنه فى مقابر الأغنياء الشاهقة المحلاة بالرخام والمرمر والتى يقوم على خدمتها عدة اشخاص مقابل راتب شهرى ويذهبون كل خميس لنشر العطور حولها وتوزيع الأكل والفاكهة والفلوس على فقراء المقابر طالبين منهم الدعاء للفقيد .

وعند المقابر سمعوا رجلاً يتلو قوله تعالى :

(( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ )) النحل 28- 29

Saturday, May 03, 2008

لون حقيقى فى لوحة مزيفة ( قصة قصيرة )

كان الأستاذ ( حسين ) مدعواً فى حفل هام لأنه صديق صاحب الحفل , وكان يعرف أن صديقه مهران ( صاحب الحفل ) رجلاً مشهوراً وذا ثروة ومال وسلطان ويتجمع حوله عدد هائل من أصحاب المال والثروة والسلطة لتقديم التهانى والهدايا فهم يعلمون وزنه جيداً وتأثيره فى أشياء كثيرة مصيرية تتعلق بأعمالهم التجارية ومشاريعهم ومكاسبهم .

إرتدى الأستاذ حسين أحلى ما عنده وهو بدلته الوحيدة التى يحتفظ بها لهذه المناسبات ولأنه يعرف تأثير المواصلات العامة عليها فقد آثر تأجير تاكسى حتى يحافظ على هندامه وبذلته بدون تكسير أو تعرجات يخرجه عن المألوف فى حفل سيضم الكبار والمشاهير وفى الطريق كان مشغولاً جداً فهذه المرة الأولى التى يستجيب فيها لدعاوى صديقه بحضور مثل تلك الحفلات , ثم إنه غير مؤهل للتخاطب مع هؤلاء القوم بلغتهم فهم ليس لهم غير لغة واحدة هى لغة المكسب والخسارة , والتحدث عن اشهر المليارديرات فى العالم وقصصهم الأسطورية وكيف جمع كل منهم ثروته .

لم ينس فى طريقه أنه أيضاً موظف كبير فى وزراة المواصلات وعلى درجة مدير عام , صحيح أن راتيه مع الحوافز تكفيه بصعوبة بالغة ولكنه كما يقولون مستور , يربى أبناءه الثلاثة فأحدهم فى الجامعة والثانى فى الثانوى والصغير فى الإعدادية , طبعاً هو حريص على تعليمهم أعلى المبادىء والقيم والمثل العليا وحريص على تذكيرهم دائماً بقراءة القرآن وإقام الصلوات الخمسة وهم طيبون مطيعون يعرفون لأبيهم وأمهم قدرهما ويكنان لهما كل الإحترام والتقدير .

لم يكن مشهوراً ولم يعرفه أحد من المدعوين للحفل غير صديقه الذى كان زميلاً قديماً له فى دراساته الثانوية والجامعية , ولكن هذا الزميل ( الثرى ) عرف طريقه منذ البداية فبدأ مرحلة التجارة والبزنس مذ كان طالباً بالجامعة حتى إذا تخرج منها كان لديه محلان أحدهما مطعم والآخر للملابس الجاهزة وقام برعايتهما وتزويد البضائع فيهما والسهر عليهما والإهتمام بهما حتى اتسعت تجارته وزادت ثروته وأصبحت العمارة التى كان يستأجر فيها شقة عمارته , وركب سيارة عادية تطورت مع الوقت إلى فارهة ثم استثمر أمواله بذكائه ودهائه وشطارته فتعرف على علية القوم وعمل لهم العزائم والولائم وقدم لهم الهدايا والتحايا فعملوا الواجبات وقدموا له العديد من التسهيلات حتى صار مليونيراً شهيراً ورجلاً من رجال الأعمال كبيراً .

أما هو فعاش محباً للعلم والثاقفة والقراءة والإطلاع عاشقاً لكل جديد فى عالم القصة والشعر والأدب الرفيع , كان يحفظ أسماء كبار ومشاهير الأدباء والمؤلفين والمفكرين وأنفق معظم ماله على شراء كتبهم وقصصهم وكان يسافر من محافظة إلى أخرى لحضور منتدى أدبى أو ندوة شعرية وكان يشارك فى بعض الأحيان ببعض إنتاجه الشعرى والأدبى ,وحصل على بعض الجوائز التقديرية فى مسابقات أدبية تقدم لها .

وهكذا كانت كل تلك الأفكار تجول بخاطره ولكن ياترى هل يمكن أن يلتقى فى هذه الحفلة بمن يقدر علمه وأدبه وشعره وهواياته الثقافية ؟ هل يمكن أن يقابل شخصاً مثله عاشقاً للقراءة والإطلاع والتعلم محباً للأدب والشعر والثقافة بكل أنواعها من تاريخ إلى فلسفة إلى كتابات دينية لمشاهير العلماء والكتاب والمفكرين ..؟؟

دخل الحفلة بعد إتصال تليفونى بصديقه وهو خارج القصر المنيف فأرسل له صديقه من يستقبله ثم دخل القصر فاستقبله صديقه أحسن استقبال ودخل به الصالة الكبرى فى الحال فالتف حوله الأصدقاء معتقدين أنه ( بزنس مان) مثلهم وسيقدم خدماته لهم أو مسئولاً حكومياً يمكن إستمالته نحوهم والتأثير عليه بما يخدم مصلحتهم , فلما عرفهم عليه وعرفه عليهم وأدركوا فى الحال أنه مجرد موظف غلبان قليل الحيلة , لا يهش ولا ينش , إنفضوا عن مجلسه وتركوه وحيداً ينظر فى بهو المكان شريداً كأنه عصفور سقط فى ماء أو سمكة خرجت إلى الهواء , فجاءه الخادم ببعض الشراب والحلوى فأخذ منها قطعة صغيرة وتنفس الصعداء وقال رب نجنى من هذا البلاء .

وما هى إلا دقائق معدودة حتى دخل السيد المسئول صاحب الصيت والصولجان عظيم الكنه والشان فقام الجميع منتفضين والتفوا حوله مرحبين وتكاثرت عليه عبارات الترحاب وجاءه الخادم بأغلى أنواع الشراب ووقفوا جميعاً ينتظرون جلوسه لعلمهم الكامل بحجم فلوسه , ولما جلس وأشار لهم بالجلوس , جلسوا حوله بنفس محبوس , ثم انهالت عليه الكلمات الجميلة وعبارات التكريم بكل وسيلة حتى ينالوا منه نظرة أو كلمة أو لمحة قليلة , فعسى أن يأتى من وراء تلك النظرة توقيعاً , يجعل بضاعتهم فى السوق أكثر مبيعاً .

هذا وصاحبنا قد طواه النسيان وذهب فى خبر كان وتأكد أنه كان فعلاً الإنسان , قبل أن يحكم عليه حظه العاثر بدخول هذا المكان الذى افقده ثقته بنفسه وشعوره وحسه ,حيث وجد نفسه فى ركن بعيد لا ينظر إليه أحد كأنه جرو أجرب , ولا يلقى أحد عليه التحية فكأنه بلوة أو رزية , وشعر أنه سقط فى بحر من السخرية ولم يعد يتمالك أعصابه فحتى صديقه الذى دعاه , لم يعد يتذكره وانشغل بكبار الزوار أصحاب المناصب والأموال , وحتى الخدم لم يعودوا يأبهوا به أو يقدموا له شيئاً من واجب الضيافة , فشعر أن هناك مؤامرة حيكت ضده بتدبير من صديقه مع الشيطان , وكأن صديقه يقول له ظز فيك وفى علمك وثقافتك , فها هو المجتمع يلفظك , ولا يهتم بك وعليك أن تجمع كل كتبك وكتاباتك وأشعارك ومؤلفاتك وتبلها وتشرب ميتها , وما هى إلا لحظات مرت كأنها الدهر وكاد يسقط مغشياً عليه , فتلمس الابواب وخرج منها خائفاً يترقب , كأنه لص سارق أو مجرم مارق , ولكن الله ستره فلم يسأله أحد عن سر مغادرته مبكراً دون أن يستأذن من صاحب القصر .

عاد إلى شقته ففتحت له زوجته وكانت تنتظره بلهفة ليحكى لها عن ليلة من ألف ليلة وليلة , فلما جاءها وقص عليها حكايته بكت بحرقة على ما تبعثر من كرامته , وقالت له خيب الله صديقك إنه عدو لدود ولا يعرف أنه سيأكله الدود , فتنهد الرجل كأنه يودع الحياة ثم نام نوماً عميقاً وألقت عليه زوجته اللحاف وقالت له مثلك لا يجب أن يخاف فأنت رجل مبادىء وقيم ومثل عليا , عشت شريفا وستموت شريفاً ولا تعرف من أين تؤكل الكتف كما عرف صديق عمرك ورفيق دربك , كانت تتكلم وهو فى سبات عميق لا يسمعها دخل فى نوم عميق فتركته حتى الصباح عسى أن يرتاح والهم عن قلبه ينزاح , ولما استيقظ من نومه شعر كأنه كان فى كابوس مخيف أو حلم كئيب سخيف , وتاب إلى الله وأناب وعرف أنه لو كان من أولى الالباب لرفض الذهاب ولكنه القدر والنصيب حتى يعلم أين يقف واين يعيش وكيف ينظر الناس للإنسان وما هى معايير تقييمهم له , فلا الرجولة ولا الشهامة ولا الكفاح ولا تربية الأبناء ولا خدمة البلد ثلاثين عاماً كل ذلك ليس له معيار والتقدير الوحيد يكمن فى كم المال الذى تملكه والسيارة التى تركبها والعمارات التى تملكها وملايينك فى البنوك ومناصبك الحكومية ودفاتر شيكاتك ولا عزاء للمثل العليا وقام الأستاذ حسين فتوضأ وصلى لله ركعتين وبعدها إستغفر مولاه وقال فى نفسه ما أسوأ هذه اللوحة المزيفة .

Wednesday, February 20, 2008

وداعاً زمن الثقافة .. قصة حقيقية

صديقان نشآ معأ فى حى واحد وتعلما فى نفس المدارس بمراحلها المختلفة حتى الجامعة فقد التحقا بنفس كلية التجارة بنفس الجامعة وتخرجا منها فى نفس العام وأديا الخدمة العسكرية ثم بدآ فى البحث عن العمل ففشلا فى عدة محاولات حيث يحتاج العمل إلى وسائط وظهور –جمع ظهرأى سند يقوّيه —ومال وفير ونفاق وتملق وتردى أخلاقى كأننا سمك يتعارك على قطعة طعام فى البحر وأقول سمك حتى لا أجرح الكرامة الإنسانية، أما الصديقان فلم يكن أمامهما بد سوى السفر لدول الخليج ولكنهما أخفقا أيضأ بسبب الإرتفاع الباهظ لسعر العقد فى مافيا مكاتب إلحاق العمالة بالخارج ألمنتشرة كالسرطان فى كل مكان من مصر والتى يجب إستئصالها من جذورها وإستبدالها بمصلحة حكومية مخلصة بلا رشوة –طبعأ حلم خيالى– توفر هذه العقود للراغبين فى السفر بدون أن يضطر الواحد منهم لبيع كل ما يملك من أجل السفر حتى إنهم ليذكروننى بذلك الرجل الذى باع بيته لكى يتزوج فأضحك من شدة الغم وأبكى من فرط الضحك ألمهم نعود إلى الصديقين الحميمين الذين قررا بعد تفكير عميق السفر للأردن ولقد كانت مفتوحة فى السابق لكل مصرى يرغب فى كسب لقمة عيشه بدون التعقيدات المستحدثة فى هذه الأيام الغبراء وكأن كل شىء يقف فى وجه لقمة عيش المصرى حتى الأردن ألتى شيّدها المصريون بأيديهم أصبحت تغلق أبوابها فى وجوههم وتشترط عليهم الحصول على عقد أى ترمى بهم فى أحضان اللصوص والسماسرة من أجل توفير العقد المزعوم فلك الله يا شعب مصر الطيب العريق المكافح الصابر على كل بلاء، فسافرالصديقان عن طريق البر بأقل الأسعار وعملا معأ فى مصنع بلاط ثم فى محل لبيع الأسماك لعدة سنوات ثم قررا العودة بعد ان فقدا نصف صحتيهما وصارا كالعجوزين الهرمين ولكنهما استردا جزءأ كبيرأ من هذه الصحة المفقودة بعد العودة لأرض مصر الغالية والتغذى على طعامها الرائع والشرب من نيلها الخالدكان احدهما مولعأ بقراءة الكتب محبأ للفكر والمفكرين والثقافة والمثقفين والعلم والمتعلمين فكان لا يكف عن شراء الكتب والبحوث وقراءة المقالات والمذكرات والبحث عن الآراء فى كل اتجاه وفى كل حدب، اما الآخر فكان عاديأ لا يهتم بما يهتم به صاحبه ويعتبر ذلك مضيعة للوقت وإهدارأ لعمر الإنسان القصير الذى يجب إضاعته فى التجارة والمكسب وتكوين الثروات وبناء العمارات، وجهات نظر يجب إحترامها مع شجبنا الاكيد لها وتأييدنا العميق لمحبى الفكر والقراءة والثقافة قرر محب الثقافة ان يفتح مكتبة لبيع الكتب والمؤلفات القديمة والحديثة فقام بإنفاق كل ما يملك على تجهيز المكتبة على أحدث طراز حتى تجذب الزبائن وجعلها كالحديقة حيث وزّع بها الزهور والورود فى كل جهة ونشر بها البخور والعطور ففاحت رائحتها العبقة فى كل الإتجاهات اما الآخر فقد خرج بفكرة رهيبة تقشعر منها الأبدان أتعرفون ما هى؟ لقد فتح محل فسخانى — نوع من السمك المملح يصنعه المصريون— قائلأ انها الطريقة البسيطة والسريعة لتكوين ثروة من حلال فى مصر –عليك ببيع الطعام— وهو يعلم جيدأ حبالمصريين للفسيخ ليس فى شم النسيم –عيد الربيع فى مصر— فحسب بل على مدار العام وخصوصأ النساء فالواحدة منهن بمجرد أن تذكر أمامها كلمة فسيخ بالبصل والليمون قد تسقط مغشيأ عليها من شدة النشوة والتلذذ بهذه الكلمات وقد تنقل إلى غرفة العناية المركزة لو لم يجرى المسكين زوجها لإحضار الفسيخ ولوازمه من ليمون وبصل وخلافه>
ارأيتم ذلك الشاب الذكى المفترى كيف فكّر؟ وكيف قدّر؟ وكيف تبحّر فى علوم الأكل المصرى وكيف توصّل إلى ان الفسيخ هو سيد الأطعمة لدى نصف الرجال وكل النساء واتحدى أن تقوم سيدة بالتعليق تحت مقالى بأنها لا تحب الفسيخ بالبصل والليمون حتى لو كانت طبيبة وأنا طبيب واعرف ماذا اقول ولا أريد الإطالة عن الطبيبات المحبات للفسيخ رغم معرفتهن الأكيدة بما قد يجلبه من أمراض وابتلاءات ألمهم نعود إلى الصديقين المتناقضين ويجدر هنا ألا نطلق عليهما صديقين ولكن نقول زميلان لبعد المسافة الفكرية بينهما ووجود هوة سحيقة تفصلهما فلا يليق ان يتصادقا وهذا رأييى ولا افرضه على أحد، مرت الأيام والشهور وكانت المكتبة فى بداية الأمر يفد عليها الناس يقلبون الكتب ويقرؤن عناوينها وأسعارها المدونة عليها ثم يضعونها ويخرجون ومن النادر أن يشترى أحدهم كتابأ ومع هذا فقد كان أخونا المثقف سعيدأ وكان يعتقد أن الخير قادم وأن سوق الثقافة سيزدهر وفى نفس الوقت كان الناس يتوافدون أفواجأ على محل الفسيخ المواجه له فى نفس الشارع والذى يملكه زميله ولا يخرج الرجل أو المرأة إلا ومعه لفة الفسيخ المعتبرة ولا يعانى فى البحث عن أهل الليمون والبصل فقد تزاحموا فى المكان لبيع منتجاتهم التى لا تحلو إلا مع الفسيخ فكان صاحبنا محب الثقافة يتعجب مما يرى ولا ينبس بحرف حتى لا يظن زميله أنه حاقد عليه أو مستكثر رزقه عليه وهى تهمة خطيرة وكفيلة بقطع الصلة بينهما إلى يوم يبعثون ظل الأمر هكذا يا سادة حتى مر عام كامل فماذا كانت النتيجة؟كانت مخزية ومخجلة فى ذات الوقت فها هو الفسخانى يشترى سيارة حديثة ويضع رصيدا بالبنك ويجرى الناس بين يديه وتحت قدميه من العاملين لديه والراغبين فى كسب رضاه والمتقربين له حتى يتزوج من واحدة من بناتهم وصار يلبس افخر الثياب ويوجد لديه صبيان يكنسون له المكان ويرشونه بالماء فى كل أوان ويحضرون له الشيشة والدخان، ويقفون رهن إشارته، لتنفيذ كل ما يطلب سيادته.
أما محب الثقافة فقد انزوى، ولأحلامه قد طوى، فأمله قد هوى، وبدأ يبيع الكتب بالجملة لمكتبات أخرى بخسارة فادحة فعطف عليه الولد الأصيل، الشهم النبيل بائع الفسيخ ولكى لا يجرح شعوره لم يعرض عليه أن يكون صبيأ من صبيانه فهو مهما كان صديق العمر ورفيق الكفاح والعرق والألم فقال له بصوت خفيض:لماذا لا تحول محلك إلى محل مأكولات؟ فقال كيف ذلك؟قال له فول وطعمية وبازنجان مخلل ومقلى وبهارات وسترى ماذا ستكسب؟ فقال والمكتبة والكتب هل أتركها؟ فقال والله انت حر أنا نصحتك وفلوسى كلها تحت أمرك، طبعأ رفض المثقف الفكرة لأنه فقرى - - من الفقر—وأغلق محله وجمع البقية الباقية من فلوسه وحصل بشكل أو بآخر على فيزة سياحة لهولندا واستقر فيها منذ تسع سنوات وأخيرأ رجع وقابلته وعرفت منه أنه صار هولنديأ وله مطعم بفتيك مصرى—فول وطعمية—فى قلب أمستردام فعحبت منه وقلت لماذا لم تفتحه فى مصر فقال انا الآن لى ثلاث عمارات فى مصر يا صديقى فقلت وما أخبار الثقافة فقال مبروكة عليكم يا عم!!!!فحزنت حزنأ شديدأ على الثقافة والمثقفين وتعجبت من الناس والزمان الذى لا مكان فيه للفكر وأهله إلا على صفحات الجرائد الإلكترونية التى جمعتنا بعد شتات وأحيتنا بعد ممات وأيقظتنا بعد سبات، وقلت فى نفسى فعلأ نحن فى زمن الفسيخ!!!