Tuesday, March 10, 2009

لقطات من الحياة

(1) الرصيد :

وقفت السيدة فى طابور البنك وسط زحام شديد ، كان الطابور خاصاً بالسيدات فقط ، وإلى جانبه يوجد طابور الرجال ، الزحام شديد وكل شخص ينفث همومه للآخر ، قال أحدهم أن إبنه أرسل له مئة دولار من الإمارات لينفق منها على نفسه وراح يدعو له بالرزق وطول العمر ، وقال آخر أنه حضر لصرف المعاش ، وقالت سيدة فى منتصف العمر أنها جاءت لكى تلغى دفتر التوفير الخاص بها ، فدفعنى فضولى لسؤالها : لماذا يا سيدتى ؟ قالت لأن فوائده ربا وحرام .. قلت ومن أفتاك بذلك ؟ قالت شيخ المسجد ، ثم اردفت تقول : لقد أصبت بالأمراض المختلفة أنا وزوجى منذ فتحنا هذا الدفتر المشئوم .. ولقد قررنا إلغاءه لأنه نذير شؤم علينا .. لقد ظننت أن مبلغ الدفتر ضخم ويدر عليهم فائدة كبيرة ينفقون منها على أنفسهم وأولادهم طوال الشهر .. فقلت لها ألا تخافين من سرقة المبلغ حين تخرجين به من البنك وتركبين المواصلات العامة ؟ فقامت بفتح الدفتر أمامى ولم يكن به سوى صفحة واحدة مكتوب بها سطر واحد هو كل رصيدها .. لقد وجدت الرصيد خمسين جنيهاً !!!!!!

سألتها وهل لهذا المبلغ الضئيل أى فائدة ؟ قالت لا

فقلت لها أين الربا إذاً يا سيدتى ؟

فقالت : نحن نخشى من الرصيد أن يزيد ويصبح فائدته ربا وحراماً علينا ..!!!

(2) إنكسار

أراه كل يوم فى الشارع ، أطيل النظر إليه حتى يغيب عن نظرى ، لا أعرف لماذا يحزننى منظره ، أتوقع دائماً أن يكون أحد أولادى مكانه ويعانى ما يعانيه ، إنه صبى فى الثالثة عشر من عمره ، يعمل حمالاً فى أحد المحطات ، عيناه منكسرتان وعندما ينظر لى كأنه يمد يد الإستغاثة ويطلب النجدة مثل الغريق الذى يقاوم الموت ، أحاول إعطاءه أى مساعدة ولكنه يرفض ، لديه كبرياء عجيب ، ملابسه رثة ولكنه عزيز النفس ، لا يأكل واقفاً بل يجلس فى أحد المطاعم الفقيرة ويجلس على أريكة متهالكة كبقية الأرائك ويطلب طبق الفول وطبق الطعمية والسلطة ، رأيته عدة مرات ولمحنى ، هو لا يعرفنى ولكنه متعود على شكلى ، أشعر وهو يضع اللقمة فى فمه أنه يشكو العالم كله والناس كلهم ، يطلب حقه كطفل ، حقه فى اللعب والتنزه والفسحة والنظافة والنوم فى مكان مريح والتعليم والفهم ودفء الأسرة وحنان الوالدين ولذة الإنتماء .

كنت مسافراً مبكراً ورأيته نائماً على أريكة المحطة وعليه غطاء قديم متهالك .. يظل وجهى عبوساً ويومى حزيناً ، ليس من أجله فقط .. بل من أجل كل طفل مشرد فاقد للأهل وللإنتماء للعائلة ... أتمنى أن يسارع المجتمع بإيجاد حل لهؤلاء الأطفال المساكين ، حلاً يكفل لهم كرامة الإنسان ويوفر لهم وسائل التعليم وأقل درجة من الرفاهية والسعادة ، حتى يكبرون محبين لمجتمعهم ولا يكونوا قنابل موقوتة تنفجر على شكل لصوص وتجار مخدرات ومتطرفين دينياً .

(3) معاش

عم منصور رجل طيب جداً ، خرج على المعاش منذ عام ، كان شديد الإخلاص فى عمله ، يستيقظ مبكراً فى السابعة صباحاً ولا يعود قبل الثالثة مساءاً ، له زوجة وولدان ، أكبرهما لم لا يزال فى الجامعة لأن عم منصور تزوج متأخراً نوعاً ما بسبب ظروفه المالية ، هو يعمل بوزارة الصحة كان يحلم بمكافأة تعوضه عن أربعة وثلاثين عاماً من العمل والشقاء فى الوزارة ، ولكنه لم يجد سوى دراهم معدودة وكانوا معه من الزاهدين ، فحصل على راتب أربعة شهور ، وراح يضرب كفاً بكف .. كيف ذلك وهو لم يحصل على أى إجازة إعتيادية طوال عمره الوظيفى وأنه يجب أن يقبض ثمن هذه الإجازات والتى تتجاوز الألف وخمسمائة يوم على آخر مرتب صرفه ، نصحه زملاؤه الذين خرجوا قبله على المعاش أن يوكل محامياً ويرفع قضية للحصول على باقى مستحقاته ، لم يكذب خبراً وأخذ بنصيحتهم ورفع القضية منذ عدة شهور .

كان عم منصور يعالج من الكثير من الأمراض مثل إلتهاب ةالكبد الفيروسى والضغط والسكر ، وكان ينفق الكثير من دخله الضئيل على مرضه ، عم منصور توفى منذ شهر حيث دهمته سيارة وهو يعبر الطريق ، رحمك الله يا عم منصور فقد تركت دنيا النفاق ودنيا الضلال وذهبت فى رحاب الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا نوم .

وإلى لقاء قريب فى لقطات أخرى من الحياة .

Saturday, October 18, 2008

الأستاذ سين وحكايته مع التدخين

الأستاذ س رجل محترم وموظف بالحكومة ، يعانى من حساسية الصدر ولكن حظه العاسر يوقعه دائماً فى طريق المدخنين الذين لا يرحموه وتدفعهم أنانيتهم القذرة لمواصلة التدخين جواره ، يحكى لى عن إحدى رحلاته إلى القاهرة بعد أن أنهى مهمة فى عمله بأحد مراكز محافظة الشرقية بمصر ، وسوف أعيد قصته لكم , وسأرمز له بالرمز س ولغيره بالرمز ص أو حسب سياق القصة :

س : لو سمحت أين سيارات الأجرة المتجهة إلى القاهرة ؟
ص : إنها فى ميدان عرابى بالزقازيق
س : شكراً .. تاكسى .. ميدان عرابى لو سمحت
السائق : تفضل
س : لو سمحت السيجارة التى تدخنها تخنقنى لأن عندى حساسية
السائق : معلهشى أنا لسة مولعها ومش ممكن أطفأها الآن .. هل تريد النزول ؟
س : نعم أريد النزول
السائق : مع السلامة
س: يقول لنفسه : سأركب السيرفيس أفضل
س : يشير بيده للسيرفيس فيتوقف أمامه
س: ميدان عرابى
السائق : ماشى
س: يركب ويجلس جوار شخص يدخن
س : لو سمحت أنا عندى حساسية ولا أستطيع تحمل سيجارتك
المدخن : يا أستاذ ابقى خذ تاكسى خصوصى علشان تبعد عن التدخين
س : ينظر إليه فى تعجب ويقول : لو سمحت أنا أختنق من السجائر
المدخن : يا أفندى مش عاوزين عكننة على الصبح .. إنتقل إلى كرسى آخر
س : يقوم ويترك الكرسى ويذهب بعيداً ولا يجد كرسياً خالياً فيضطر للوقوف حتى يصل إلى المحطة التى يريدها .
س: يسأل سائق البيجوه هل أنت ذاهب إلى القاهرة
السائق : نعم
س: هل تسمح بالتدخين فى سيارتك ؟
السائق : لا طبعاً
س : اشكرك
تتحرك السيارة وبعد عشر دقائق يشعر س بضيق فى نفسه فينظر فى كل الإتجاهات ليجد أحد الركاب يدخن سيجارة فى السيارة البيجوه التى تحمل سبعة ركاب غير السائق ، وحيز الفراغ فيها ضيق جداً ، وقد أغلق كل الركاب النوافذ المجاورة لهم لأن الهواء يدخل عليهم بعنف .
فقال للسائق : الم تقل أنك لا تسمح بالتدخين فى سيارتك؟
السائق : طبعاً
س : كيف ذلك ويوجد بالخلف رجل يشعل سيجارة تكاد تخنقنى
السائق : الأخ الذى يدخن سيجارة لو سمحت تطفأها
المدخن : ليه هو احنا فى المركز عند المأمور ؟ ماتخلقشى اللى يخلينى أطفىء السيجارة .
السائق : يوجد فى السيارة شخص عنده حساسية بالصدر ويوجد سيدة معها طفلان
المدخن : وأنا مالى ، يبقوا يأجروا لهم عربية مخصوص ، أما أنا لن أطفىء السيجارة حتى لو انقلبت السما على الأرض .
س : لو سمحت يا أسطى نزلنى لأننى أكاد أموت
أحد الركاب للمدخن : يا أخ أطفىء السيجارة طالما هناك من يتضرر منها
المدخن : وانت أيش أخششك يا افندى ؟ خليك فى حالك
يرد الراكب : يعنى ايه خليك فى حالك ؟ خلى عندك زوق بنقول لك واحد عيان وفيه أطفال ، هو مفيش إحساس ؟
المدخن : أنت بتشتمنى يا تافه يا عديم الكرامة ..
السائق يوقف السيارة وينزل الركاب وتحدث مشادة كلامية وشتائم ، ويقتنص س الفرصة لكى يتنفس ويكح خارج السيارة ثم يقول للمدخن : يعنى هو من الأخلاق انك تدخن فى السيارة ؟
المدخن : أنا أخلاقى أحسن من أخلاقك وأنا أحسن منك
س : يقول للسائق لن أستطيع مواصلة الطريق معك
السائق : كيف ذلك ؟ أنت ركبت معى من المحطة ومحسوب على العربية راكب يعنى لو عاوز تنزل تدفع الأجرة
س : أدفع الأجرة ازاى وانت ما وصلتنيش ، وما أقدرشى أركب فى سيارة فيها مدخنين وقد اشترطت عليك فى المحطة وأنت أكدت لى أنك لا تسمح بالتدخين فى سيارتك .
السائق : أنا مليش حكم على الركاب
س : وأنا مش حركب إلا إذا تعهدت لى بعدم السماح لأحد بالتدخين .
السائق : ما رأيكم ياجماعة ؟
أحد الركاب : بصراحة السيد س عنده حق ولا يصح لأحد التدخين فى وسائل المواصلات لأنه يلوث الجو ويزيد المريض مرضاً .
السائق : خلاص اركب يا استاذ ولك على محدش حيدخن تانى .

وصلت السيارة القاهرة ، ونزل س عند محطة مترو الأنفاق ، ووجد محطة المترو نظيفة جداً ، ولا أحد يدخن ، فتعجب جداً وشعر أنه فى دولة أخرى ومع شعب آخر ، وتساءل لماذا لا يتحلى الناس خارج المترو بنفس الأخلاق ، ومن شدة ذهوله كان يتساءل بصوت مرتفع ، فرد عليه رجل يقف إلى جواره قائلاً : لأن هنا غرامة عشرة جنيهات يدفعها المدخن فوراً وكذلك الذى يرمى زبالة أو غيره يدفعها أيضاً
س : يعنى الناس خايفة من الغرامة ؟ ألمحاور : طبعاً
س : يعنى مش حكاية أخلاق ؟
المحاور : أخلاق ايه يا استاذ ، طيب ما هم هؤلاء الأشخاص لما يطلعوا خارج المترو بيدخنوا فى كل حتة وبيرموا زبالتهم فى اى مكان !!!
س : وما الحل ؟
المحاور : لا يوجد حل سوى قوانين صارمة وغرامات كبيرة ولوائح يتم تطبيقها على الأقوياء والأغنياء قبل الضعفاء والفقراء .
س: متى يتم تقنين ذلك ؟
المحاور : يمكن قبل يوم القيامة بساعتين .. ههههههههه سلام لأن المترو وصل
س : سلام

Tuesday, May 13, 2008

ألطيب والخبيث

لوحة 1 :

بعد يوم طويل من العمل الشاق فى خدمة الناس وتقديم العون لهم فى كل صغير وكبير والمسح على رأس يتيمهم وتقديم المعونة لفقيرهم وحث غنيهم على مثل ذلك , وبث النصيحة المخلصة والكلمة الطيبة فى كل مجلس يحضره وفى كل مكان يعبره , وبعد أن يغمر كل قلب يقابله بنظرة حب وإحترام وتقدير , عاد عم حامد الطيب مجهداً إلى منزله المتواضع بين أولاده وبناته الطيبين وزوجته الهادئة الطباع حيث يستقبلوه ككل يوم بمشاعر الشوق والحب والمودة الراقية , فيجلس وسطهم ليستريح ثم يتناول بعض الطعام الذى يسد الرمق ثم يؤدى فريضة ربه ثم يخلد للنوم بعد يوم ملىء بالعمل الصالح والجهد الطيب من أجل الإنسان فى أى مكان .

أولاده لا يتركوه ينام نوماً عادياً بل لقد تعود على قبلاتهم الحانية منذ كانوا أطفالاً ولم تزل هذه العادة فيهم متمسكين بها حريصين عليها فتأتى طفلته الصغيرة وتقبله وتلقى عليه السلام ثم يأتى باقى البنات والأولاد فيقبلونه ويكون فى قمة السعادة ثم يخلد فى نوم عميق .

هذا اليوم نام كثيراً وراح فى عالم آخر من الجمال والروعة واللذة فهاهو يرى نفسه فى غرفة مذهلة كأنها صنعت من قطع الماس وبها فرش كأنه العسجد , وأثاث لم ير له مثيلاً فى حياته الدنيا وروائح من عطور ورياحين وورد وفل وياسمين , وزهور ونباتات غاية فى الجمال تحيط به من كل ناحية , وشجر ينبت بثمار بضة شديدة الحمرة مثل تفاح الدنيا ولكن لذته أشد وأعمق وأعناب وتمر وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وعسل شهى مصفى ولبن لم يتغير طعمه وماء زلال غير آسن وخمر لا يذهب بالألباب , وزوجة طيبة حانية محبة أكثر بهاءاً وجمالاً من زوجته فى حياته الدنيا ,

كان يسأل نفسه وهو فى خضم رؤياه هل أنا مت وانتقلت إلى العالم الآخر وأدخلنى ربى جنات النعيم بعد أن غفر لى وصفح عنى ؟ ما هذا الإبداع الذى أراه وما هذا الجمال الذى يخلب الألباب ويأخذ بالعقول ويأسر القلوب ؟ ما هذه اللذات المنقطعة النظير ؟ بيت من ماس وفرش من عسجد ؟ واثاث ليس له مثيل وزوجة رائعة البهاء والسحر والجمال ؟ إننى أعرفها جيداً , إنها زوجتى وحبيبتى فى حياتى الدنيا ولكنها هنا أكثر حسناً وبهاءاً وروعة وجمالاً , سبحان ربى مالك الملك , ما هذا الذى أرى ؟ وما هذه المساحات المترامية الأطراف من الزرع والنبات بكل أنواعه واشجار الفاكهة وشتى أنواع الثمار الطازجة اللذيذة ؟ وما هذه المشروبات الجميلة التى لا يزول طعمها بل يزداد تأثيراً كلما مر الوقت ؟ هل فعلاً أنا فى الجنة ؟

وما هذه المخلوقات الجميلة الطلعة االبهية المنظر الرائعة الحسن التى تدخل علىّ من كل باب يلقون عليّ السلام ويحيونى ثم يطيرون بأجنحتهم الرائعة المزركشة ويطوفون حول المكان ؟ هل هؤلاء هم ملائكة الرحمة الذين قرأت عنهم فى القرآن الكريم وعرفت صفاتهم من آياته الكريمات ؟

لوحة 2 :

وعلى الجانب الآخر وفى نفس القرية يعيش السيد حاقد خبيث يعود كل مساء مقطّب الحاجبين , سىء الطلعة قبيح المنظر , وشياطين العالم تتراقص على وجهه بعد يوم عسير من العمل الشاق فى الغش والنهب والسرقة وأكل حقوق الناس بالباطل والتهكم من الطيبين والإستهزاء بالصالحين لأنه يعتبر أن كل طيب فاعل للخير هو غبى لا يعرف مصلحته ويرى أن كل إنسان له عقل يفهم أو قلب يعقل يجب أن يستغل موقعه ومنصبه فى نهب الناس والضحك على ذقونهم والنصب عليهم لجمع أكبر قدر من الأموال ولتملك أوسع مساحة من الأرض وبناء أكبر عدد من العمائر التى تؤجر للناس أو تباع تمليك بأسعار خيالية .

يدخل حاقد خبيث على بيته فيرفس الباب برجله ولا يلقى على أهل السلام ويلعن زوجته وأولاده ويطلب الطعام فيأتى له فى الحال أشهى أنواع الطعام فيلتهمها كأنه تمساح جائع ولا يحمد ربه ولا يعرف لله طريقاً , فهو فاسد مفسد دائماً شيطان شرير يكره الناس جميعاً ولا يطيق أن يسمع عن قصة نجاح حقيقى أو أن فلاناً قد وفق فى كذا أو كذا فما يلبث أن ينزل لعناته وغيبته ونميمته على جيرانه الطيبين وأهل بلده المخلصين ثم يقوم ليذهب إلى فراشه لينال قسطاً من الراحة بعد يوم شيطانى شاق فى الظلم والإستبداد والتخريب والتعذيب والتضييق على الخلق وبث الكراهية والحقد فى القلوب .

نام فى هذا اليوم نوماً عميقاً جداً فرأى نفسه مقيداً بسلاسل وجنازير من حديد ملتهب خرج للتو من نار قديمة ووجد مخلوقات عجيبة الشكل واللون والمشهد حمر العيون تخرج النيران من عيونهم ويحملون فى أيديهم مقامع من حديد يضربونه بها على وجهه وظهره ضرباً مبرحاً ثم يسحبونه على وجهه على أرض ملتهبة تنبت بالجمرات ورأى مخلوقاً مخيفاً يحضر له نبتة من شجرة إسمها الزقوم ويدخلها فى حلقه فتحرق حلقه وبطنه وتشعل النيران فى كل جسمه , ثم يطلب ماءاً فيأتيه مخلوق مخيف يصب فى فمه وجوفه ماءً يغلى كالمهل كغلى الحميم يقطع أمعاءه فيشربه باكياً متذللاً ويطلب الرحمة فلا يجيبه أحد ثم ينظر إلى أعلى بعيداً جداً فيرى جاره حامد الطيب يجلس فى قصر عظيم وحوله كل خيرات الله تعالى فيطلب منه أن يفيض عليه من هذا الماء الزلال أو الطعام اللذيذ الذى حرم منه ولم يعد يتذوق غير الزقوم والجمر والماء الذى يغلى فى بطنه كالمهل , فيرد عليه قائلاً أن الله حرمهما على الكافرين , ثم يرى أشباحاً عجيبة تحوم حوله وجوههم كان يعرفها فى الدنيا نعم إنهم هؤلاء الذين طغى عليهم وتجبر وظلمهم وقهرهم وعذبهم وحقر من شأنهم وسرق خيراتهم ونهب أرزاقهم , ولكنهم ليسوا هم إنهم مخلوقات تشبههم جاءوا نحوه يسومونه سوء العذاب بما قدمت يداه فى الدنيا الفانية التى غرته وغره فيها بالله الغرور .

كان يحاول أن يهرب من هذا العذاب الرهيب ولكنه كان يجد مخلوقات مخصصة للعذاب تقوم بإعادته إلى قعر جهنم فيستغيث ولا من مجيب ...ويطلب من أكبرهم قائلاً له أدع ربك يخفف عنا يوماً من العذاب فيرد عليهم قائلاً إنكم ماكثون ..

لوحة 3 :

زوجة حامد الطيب ذهبت لإيقاظه فلم يستيقظ لقد مات وقابل وجه مولاه سبحانه وتعالى , بكت بحرقة شديدة ولكن قلبها المؤمن بالله واليوم الآخر يأبى أن تكون غير صابرة فأحاطوا بالرجل كما تحيط ملائكة الرحمة بعباد الله الصالحين ثم قاموا بعمل ما يلزم لأبيهم من غسل وصلاة عليه ودفن فى مقابر الغلابة فى لحد تحت الأرض واحتسبوه عند مولاهم ودعوا له بالرحمة والمغفرة .

وفى طريقهم إلى البيت بعد مراسم الدفن كانوا يقرؤن قول الله تعالى :

(( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )) النحل 30-32

لوحة 4 :

زوجة حاقد خبيث تدخل لإيقاظه ليستأنف ظلمه وجبروته ولكن الله تعالى يأبى ذلك فقد انتهت حياة حاقد الظالم ولم تعد لديه أى فرصة للتوبة إلى الله تعالى وقد عمره الله فى الأرض ما يتذكر فيه من تذكر ورأى نهاية الذين ظلموا أنفسهم وتبين له كيف يفعل الله بالمجرمين وكيف يأخذهم أخذ عزيز مقتدر فلا يفلتهم أبداً ..

خرجت زوجته ونادت أولادها فى سعادة بالغة كأنها عثرت على كنز , فجاءوا إليها مهرولين غير مصدقين أن الظالم قد فارق الحياة وقد آن لهم الأوان أن يذوقوا طعم الحياة ولذتها ويتمتعوا بما تركه لهم من ثروة طائلة وليذهب هو إلى الجحيم وبئس المصير .

ثم قاموا بعمل إجراءت دفنه فى مقابر الأغنياء الشاهقة المحلاة بالرخام والمرمر والتى يقوم على خدمتها عدة اشخاص مقابل راتب شهرى ويذهبون كل خميس لنشر العطور حولها وتوزيع الأكل والفاكهة والفلوس على فقراء المقابر طالبين منهم الدعاء للفقيد .

وعند المقابر سمعوا رجلاً يتلو قوله تعالى :

(( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ )) النحل 28- 29

Saturday, May 03, 2008

لون حقيقى فى لوحة مزيفة ( قصة قصيرة )

كان الأستاذ ( حسين ) مدعواً فى حفل هام لأنه صديق صاحب الحفل , وكان يعرف أن صديقه مهران ( صاحب الحفل ) رجلاً مشهوراً وذا ثروة ومال وسلطان ويتجمع حوله عدد هائل من أصحاب المال والثروة والسلطة لتقديم التهانى والهدايا فهم يعلمون وزنه جيداً وتأثيره فى أشياء كثيرة مصيرية تتعلق بأعمالهم التجارية ومشاريعهم ومكاسبهم .

إرتدى الأستاذ حسين أحلى ما عنده وهو بدلته الوحيدة التى يحتفظ بها لهذه المناسبات ولأنه يعرف تأثير المواصلات العامة عليها فقد آثر تأجير تاكسى حتى يحافظ على هندامه وبذلته بدون تكسير أو تعرجات يخرجه عن المألوف فى حفل سيضم الكبار والمشاهير وفى الطريق كان مشغولاً جداً فهذه المرة الأولى التى يستجيب فيها لدعاوى صديقه بحضور مثل تلك الحفلات , ثم إنه غير مؤهل للتخاطب مع هؤلاء القوم بلغتهم فهم ليس لهم غير لغة واحدة هى لغة المكسب والخسارة , والتحدث عن اشهر المليارديرات فى العالم وقصصهم الأسطورية وكيف جمع كل منهم ثروته .

لم ينس فى طريقه أنه أيضاً موظف كبير فى وزراة المواصلات وعلى درجة مدير عام , صحيح أن راتيه مع الحوافز تكفيه بصعوبة بالغة ولكنه كما يقولون مستور , يربى أبناءه الثلاثة فأحدهم فى الجامعة والثانى فى الثانوى والصغير فى الإعدادية , طبعاً هو حريص على تعليمهم أعلى المبادىء والقيم والمثل العليا وحريص على تذكيرهم دائماً بقراءة القرآن وإقام الصلوات الخمسة وهم طيبون مطيعون يعرفون لأبيهم وأمهم قدرهما ويكنان لهما كل الإحترام والتقدير .

لم يكن مشهوراً ولم يعرفه أحد من المدعوين للحفل غير صديقه الذى كان زميلاً قديماً له فى دراساته الثانوية والجامعية , ولكن هذا الزميل ( الثرى ) عرف طريقه منذ البداية فبدأ مرحلة التجارة والبزنس مذ كان طالباً بالجامعة حتى إذا تخرج منها كان لديه محلان أحدهما مطعم والآخر للملابس الجاهزة وقام برعايتهما وتزويد البضائع فيهما والسهر عليهما والإهتمام بهما حتى اتسعت تجارته وزادت ثروته وأصبحت العمارة التى كان يستأجر فيها شقة عمارته , وركب سيارة عادية تطورت مع الوقت إلى فارهة ثم استثمر أمواله بذكائه ودهائه وشطارته فتعرف على علية القوم وعمل لهم العزائم والولائم وقدم لهم الهدايا والتحايا فعملوا الواجبات وقدموا له العديد من التسهيلات حتى صار مليونيراً شهيراً ورجلاً من رجال الأعمال كبيراً .

أما هو فعاش محباً للعلم والثاقفة والقراءة والإطلاع عاشقاً لكل جديد فى عالم القصة والشعر والأدب الرفيع , كان يحفظ أسماء كبار ومشاهير الأدباء والمؤلفين والمفكرين وأنفق معظم ماله على شراء كتبهم وقصصهم وكان يسافر من محافظة إلى أخرى لحضور منتدى أدبى أو ندوة شعرية وكان يشارك فى بعض الأحيان ببعض إنتاجه الشعرى والأدبى ,وحصل على بعض الجوائز التقديرية فى مسابقات أدبية تقدم لها .

وهكذا كانت كل تلك الأفكار تجول بخاطره ولكن ياترى هل يمكن أن يلتقى فى هذه الحفلة بمن يقدر علمه وأدبه وشعره وهواياته الثقافية ؟ هل يمكن أن يقابل شخصاً مثله عاشقاً للقراءة والإطلاع والتعلم محباً للأدب والشعر والثقافة بكل أنواعها من تاريخ إلى فلسفة إلى كتابات دينية لمشاهير العلماء والكتاب والمفكرين ..؟؟

دخل الحفلة بعد إتصال تليفونى بصديقه وهو خارج القصر المنيف فأرسل له صديقه من يستقبله ثم دخل القصر فاستقبله صديقه أحسن استقبال ودخل به الصالة الكبرى فى الحال فالتف حوله الأصدقاء معتقدين أنه ( بزنس مان) مثلهم وسيقدم خدماته لهم أو مسئولاً حكومياً يمكن إستمالته نحوهم والتأثير عليه بما يخدم مصلحتهم , فلما عرفهم عليه وعرفه عليهم وأدركوا فى الحال أنه مجرد موظف غلبان قليل الحيلة , لا يهش ولا ينش , إنفضوا عن مجلسه وتركوه وحيداً ينظر فى بهو المكان شريداً كأنه عصفور سقط فى ماء أو سمكة خرجت إلى الهواء , فجاءه الخادم ببعض الشراب والحلوى فأخذ منها قطعة صغيرة وتنفس الصعداء وقال رب نجنى من هذا البلاء .

وما هى إلا دقائق معدودة حتى دخل السيد المسئول صاحب الصيت والصولجان عظيم الكنه والشان فقام الجميع منتفضين والتفوا حوله مرحبين وتكاثرت عليه عبارات الترحاب وجاءه الخادم بأغلى أنواع الشراب ووقفوا جميعاً ينتظرون جلوسه لعلمهم الكامل بحجم فلوسه , ولما جلس وأشار لهم بالجلوس , جلسوا حوله بنفس محبوس , ثم انهالت عليه الكلمات الجميلة وعبارات التكريم بكل وسيلة حتى ينالوا منه نظرة أو كلمة أو لمحة قليلة , فعسى أن يأتى من وراء تلك النظرة توقيعاً , يجعل بضاعتهم فى السوق أكثر مبيعاً .

هذا وصاحبنا قد طواه النسيان وذهب فى خبر كان وتأكد أنه كان فعلاً الإنسان , قبل أن يحكم عليه حظه العاثر بدخول هذا المكان الذى افقده ثقته بنفسه وشعوره وحسه ,حيث وجد نفسه فى ركن بعيد لا ينظر إليه أحد كأنه جرو أجرب , ولا يلقى أحد عليه التحية فكأنه بلوة أو رزية , وشعر أنه سقط فى بحر من السخرية ولم يعد يتمالك أعصابه فحتى صديقه الذى دعاه , لم يعد يتذكره وانشغل بكبار الزوار أصحاب المناصب والأموال , وحتى الخدم لم يعودوا يأبهوا به أو يقدموا له شيئاً من واجب الضيافة , فشعر أن هناك مؤامرة حيكت ضده بتدبير من صديقه مع الشيطان , وكأن صديقه يقول له ظز فيك وفى علمك وثقافتك , فها هو المجتمع يلفظك , ولا يهتم بك وعليك أن تجمع كل كتبك وكتاباتك وأشعارك ومؤلفاتك وتبلها وتشرب ميتها , وما هى إلا لحظات مرت كأنها الدهر وكاد يسقط مغشياً عليه , فتلمس الابواب وخرج منها خائفاً يترقب , كأنه لص سارق أو مجرم مارق , ولكن الله ستره فلم يسأله أحد عن سر مغادرته مبكراً دون أن يستأذن من صاحب القصر .

عاد إلى شقته ففتحت له زوجته وكانت تنتظره بلهفة ليحكى لها عن ليلة من ألف ليلة وليلة , فلما جاءها وقص عليها حكايته بكت بحرقة على ما تبعثر من كرامته , وقالت له خيب الله صديقك إنه عدو لدود ولا يعرف أنه سيأكله الدود , فتنهد الرجل كأنه يودع الحياة ثم نام نوماً عميقاً وألقت عليه زوجته اللحاف وقالت له مثلك لا يجب أن يخاف فأنت رجل مبادىء وقيم ومثل عليا , عشت شريفا وستموت شريفاً ولا تعرف من أين تؤكل الكتف كما عرف صديق عمرك ورفيق دربك , كانت تتكلم وهو فى سبات عميق لا يسمعها دخل فى نوم عميق فتركته حتى الصباح عسى أن يرتاح والهم عن قلبه ينزاح , ولما استيقظ من نومه شعر كأنه كان فى كابوس مخيف أو حلم كئيب سخيف , وتاب إلى الله وأناب وعرف أنه لو كان من أولى الالباب لرفض الذهاب ولكنه القدر والنصيب حتى يعلم أين يقف واين يعيش وكيف ينظر الناس للإنسان وما هى معايير تقييمهم له , فلا الرجولة ولا الشهامة ولا الكفاح ولا تربية الأبناء ولا خدمة البلد ثلاثين عاماً كل ذلك ليس له معيار والتقدير الوحيد يكمن فى كم المال الذى تملكه والسيارة التى تركبها والعمارات التى تملكها وملايينك فى البنوك ومناصبك الحكومية ودفاتر شيكاتك ولا عزاء للمثل العليا وقام الأستاذ حسين فتوضأ وصلى لله ركعتين وبعدها إستغفر مولاه وقال فى نفسه ما أسوأ هذه اللوحة المزيفة .

Wednesday, February 20, 2008

وداعاً زمن الثقافة .. قصة حقيقية

صديقان نشآ معأ فى حى واحد وتعلما فى نفس المدارس بمراحلها المختلفة حتى الجامعة فقد التحقا بنفس كلية التجارة بنفس الجامعة وتخرجا منها فى نفس العام وأديا الخدمة العسكرية ثم بدآ فى البحث عن العمل ففشلا فى عدة محاولات حيث يحتاج العمل إلى وسائط وظهور –جمع ظهرأى سند يقوّيه —ومال وفير ونفاق وتملق وتردى أخلاقى كأننا سمك يتعارك على قطعة طعام فى البحر وأقول سمك حتى لا أجرح الكرامة الإنسانية، أما الصديقان فلم يكن أمامهما بد سوى السفر لدول الخليج ولكنهما أخفقا أيضأ بسبب الإرتفاع الباهظ لسعر العقد فى مافيا مكاتب إلحاق العمالة بالخارج ألمنتشرة كالسرطان فى كل مكان من مصر والتى يجب إستئصالها من جذورها وإستبدالها بمصلحة حكومية مخلصة بلا رشوة –طبعأ حلم خيالى– توفر هذه العقود للراغبين فى السفر بدون أن يضطر الواحد منهم لبيع كل ما يملك من أجل السفر حتى إنهم ليذكروننى بذلك الرجل الذى باع بيته لكى يتزوج فأضحك من شدة الغم وأبكى من فرط الضحك ألمهم نعود إلى الصديقين الحميمين الذين قررا بعد تفكير عميق السفر للأردن ولقد كانت مفتوحة فى السابق لكل مصرى يرغب فى كسب لقمة عيشه بدون التعقيدات المستحدثة فى هذه الأيام الغبراء وكأن كل شىء يقف فى وجه لقمة عيش المصرى حتى الأردن ألتى شيّدها المصريون بأيديهم أصبحت تغلق أبوابها فى وجوههم وتشترط عليهم الحصول على عقد أى ترمى بهم فى أحضان اللصوص والسماسرة من أجل توفير العقد المزعوم فلك الله يا شعب مصر الطيب العريق المكافح الصابر على كل بلاء، فسافرالصديقان عن طريق البر بأقل الأسعار وعملا معأ فى مصنع بلاط ثم فى محل لبيع الأسماك لعدة سنوات ثم قررا العودة بعد ان فقدا نصف صحتيهما وصارا كالعجوزين الهرمين ولكنهما استردا جزءأ كبيرأ من هذه الصحة المفقودة بعد العودة لأرض مصر الغالية والتغذى على طعامها الرائع والشرب من نيلها الخالدكان احدهما مولعأ بقراءة الكتب محبأ للفكر والمفكرين والثقافة والمثقفين والعلم والمتعلمين فكان لا يكف عن شراء الكتب والبحوث وقراءة المقالات والمذكرات والبحث عن الآراء فى كل اتجاه وفى كل حدب، اما الآخر فكان عاديأ لا يهتم بما يهتم به صاحبه ويعتبر ذلك مضيعة للوقت وإهدارأ لعمر الإنسان القصير الذى يجب إضاعته فى التجارة والمكسب وتكوين الثروات وبناء العمارات، وجهات نظر يجب إحترامها مع شجبنا الاكيد لها وتأييدنا العميق لمحبى الفكر والقراءة والثقافة قرر محب الثقافة ان يفتح مكتبة لبيع الكتب والمؤلفات القديمة والحديثة فقام بإنفاق كل ما يملك على تجهيز المكتبة على أحدث طراز حتى تجذب الزبائن وجعلها كالحديقة حيث وزّع بها الزهور والورود فى كل جهة ونشر بها البخور والعطور ففاحت رائحتها العبقة فى كل الإتجاهات اما الآخر فقد خرج بفكرة رهيبة تقشعر منها الأبدان أتعرفون ما هى؟ لقد فتح محل فسخانى — نوع من السمك المملح يصنعه المصريون— قائلأ انها الطريقة البسيطة والسريعة لتكوين ثروة من حلال فى مصر –عليك ببيع الطعام— وهو يعلم جيدأ حبالمصريين للفسيخ ليس فى شم النسيم –عيد الربيع فى مصر— فحسب بل على مدار العام وخصوصأ النساء فالواحدة منهن بمجرد أن تذكر أمامها كلمة فسيخ بالبصل والليمون قد تسقط مغشيأ عليها من شدة النشوة والتلذذ بهذه الكلمات وقد تنقل إلى غرفة العناية المركزة لو لم يجرى المسكين زوجها لإحضار الفسيخ ولوازمه من ليمون وبصل وخلافه>
ارأيتم ذلك الشاب الذكى المفترى كيف فكّر؟ وكيف قدّر؟ وكيف تبحّر فى علوم الأكل المصرى وكيف توصّل إلى ان الفسيخ هو سيد الأطعمة لدى نصف الرجال وكل النساء واتحدى أن تقوم سيدة بالتعليق تحت مقالى بأنها لا تحب الفسيخ بالبصل والليمون حتى لو كانت طبيبة وأنا طبيب واعرف ماذا اقول ولا أريد الإطالة عن الطبيبات المحبات للفسيخ رغم معرفتهن الأكيدة بما قد يجلبه من أمراض وابتلاءات ألمهم نعود إلى الصديقين المتناقضين ويجدر هنا ألا نطلق عليهما صديقين ولكن نقول زميلان لبعد المسافة الفكرية بينهما ووجود هوة سحيقة تفصلهما فلا يليق ان يتصادقا وهذا رأييى ولا افرضه على أحد، مرت الأيام والشهور وكانت المكتبة فى بداية الأمر يفد عليها الناس يقلبون الكتب ويقرؤن عناوينها وأسعارها المدونة عليها ثم يضعونها ويخرجون ومن النادر أن يشترى أحدهم كتابأ ومع هذا فقد كان أخونا المثقف سعيدأ وكان يعتقد أن الخير قادم وأن سوق الثقافة سيزدهر وفى نفس الوقت كان الناس يتوافدون أفواجأ على محل الفسيخ المواجه له فى نفس الشارع والذى يملكه زميله ولا يخرج الرجل أو المرأة إلا ومعه لفة الفسيخ المعتبرة ولا يعانى فى البحث عن أهل الليمون والبصل فقد تزاحموا فى المكان لبيع منتجاتهم التى لا تحلو إلا مع الفسيخ فكان صاحبنا محب الثقافة يتعجب مما يرى ولا ينبس بحرف حتى لا يظن زميله أنه حاقد عليه أو مستكثر رزقه عليه وهى تهمة خطيرة وكفيلة بقطع الصلة بينهما إلى يوم يبعثون ظل الأمر هكذا يا سادة حتى مر عام كامل فماذا كانت النتيجة؟كانت مخزية ومخجلة فى ذات الوقت فها هو الفسخانى يشترى سيارة حديثة ويضع رصيدا بالبنك ويجرى الناس بين يديه وتحت قدميه من العاملين لديه والراغبين فى كسب رضاه والمتقربين له حتى يتزوج من واحدة من بناتهم وصار يلبس افخر الثياب ويوجد لديه صبيان يكنسون له المكان ويرشونه بالماء فى كل أوان ويحضرون له الشيشة والدخان، ويقفون رهن إشارته، لتنفيذ كل ما يطلب سيادته.
أما محب الثقافة فقد انزوى، ولأحلامه قد طوى، فأمله قد هوى، وبدأ يبيع الكتب بالجملة لمكتبات أخرى بخسارة فادحة فعطف عليه الولد الأصيل، الشهم النبيل بائع الفسيخ ولكى لا يجرح شعوره لم يعرض عليه أن يكون صبيأ من صبيانه فهو مهما كان صديق العمر ورفيق الكفاح والعرق والألم فقال له بصوت خفيض:لماذا لا تحول محلك إلى محل مأكولات؟ فقال كيف ذلك؟قال له فول وطعمية وبازنجان مخلل ومقلى وبهارات وسترى ماذا ستكسب؟ فقال والمكتبة والكتب هل أتركها؟ فقال والله انت حر أنا نصحتك وفلوسى كلها تحت أمرك، طبعأ رفض المثقف الفكرة لأنه فقرى - - من الفقر—وأغلق محله وجمع البقية الباقية من فلوسه وحصل بشكل أو بآخر على فيزة سياحة لهولندا واستقر فيها منذ تسع سنوات وأخيرأ رجع وقابلته وعرفت منه أنه صار هولنديأ وله مطعم بفتيك مصرى—فول وطعمية—فى قلب أمستردام فعحبت منه وقلت لماذا لم تفتحه فى مصر فقال انا الآن لى ثلاث عمارات فى مصر يا صديقى فقلت وما أخبار الثقافة فقال مبروكة عليكم يا عم!!!!فحزنت حزنأ شديدأ على الثقافة والمثقفين وتعجبت من الناس والزمان الذى لا مكان فيه للفكر وأهله إلا على صفحات الجرائد الإلكترونية التى جمعتنا بعد شتات وأحيتنا بعد ممات وأيقظتنا بعد سبات، وقلت فى نفسى فعلأ نحن فى زمن الفسيخ!!!

Thursday, May 24, 2007

حكاية رجل ميت


خرج الطبيب من حجرة الكشف حتى تتاح له الفرصة أن يتحدث بحرية مع أهل المريض , فلم تكن هذه هى المرة الأولى التى يوقع فيها الكشف على نفس المريض فهو يتردد عليه منذ ثلاثة أشهر , ولكن حالته تتدهور كلما مر عليه الوقت , لا ينسى هذا الطبيب ان ذلك الشاب المريض والذى لم يتخطى الخمسين من عمره كان إلى وقت قريب جدأ يتمتع بصحة ممتازة وحيوية عالية , ثم بدأ هذا الإنهيار يحصل له بعد تعرضه لحادث نزف فيه الكثير من الدماء فاحتاج لنقل دم فكانت الكارثة وهى الإصابة بفيروس سى الكبدى اللعين والذى فاجأه بأعراض فتاكة وسريعة أوشكت تقضى عليه , كان كل ذلك يتحرك فى ذهن الطبيب قبل أن يبدأ بكلامه مع أهل المريض الذين يقفون خائفين على مريضهم من حالته الخطيرة فسألوه بلهفة : خير يا دكتور ؟
الطبيب : كان الله فى عونه , إن حالته فى غاية الخطورة , ولكن لا نستطيع أن نجزم بشىء فالاعمار بيد الله تعالى , سنكتب له بعض المغذيات لتنعشه لأنه فى غيبوبة ولا يستطيع تناول الطعام , والأمر كله لله ,ولا بد من دخوله المستشفى الجامعى فورأ , فرفضوا جميعأ دخول مريضهم المستشفى الجامعى وقالوا يا دكتور طالما أن حالته بهذا السوء فسنذهب به لبيته لكى يموت بين أهله وأقاربه وأولاده وهذا أفضل من التعب والمشقة بلا فائدة فى المستشفيات الحكومية , فقال لهم الطيبب لابد أن يتابعه طبيب أو أكثر فى فترة علاجه فقالوا سنوفر له كل ما يحتاج , ثم طلب مراجعته بعد أسبوع واحد من تعاطى ذلك العلاج إذا أطال الله فى عمره وعمرنا .
كانت كل التحاليل والاشعة تؤكد أن المريض فى حالة خطيرة جدأ وأن الفيروس قد أهلك معظم الأنسجة الكبدية , فخرجوا به من عيادة الطبيب بعاصمة المحافظة ورجعوا لديارهم واليأس من شفاء المريض يملأ قلوبهم .
بعد ثلاثة ايام من تعاطى المغذيات وما بها من مقويات وعلاج أفاق المريض , وعادت له الحياة من جديد , وبمرور الوقت بدأ يتناول أطعمة خفيفة مثل الخبز البلدى والعسل الأسمر مع متابعة طبيب القرية له بدأ المريض يجلس دون مساعدة من أحد , فكان الناس يتهامسون قائلين سبحان الذى يحيى العظام وهى رميم لقد اشتروا له الكفن وبنوا له المقبرة وجهزوا أنفسهم على اساس أنه من الأموات فإذا به يأكل ويشرب ويهزم الفيروس , ويمشى على قدميه , والغريب أنه لم يعد لطبيب المدينة للمراجعة واكتفى بمراجعة طبيب القرية الذى حذره من تناول انواع معينة من الطعام مع المواظبة على الأكل الخفيف وأخذ علاج تقوية الخلايا الكبدية فكان المريض يلبى تعليمات الطبيب بدقة متناهية أدت إلى تحسن حالته وبدأ يخرج ويجلس أمام المنزل , ومع مرور الوقت بدأ يركب حماره ويذهب ليرى غيطه وبهائمه , وبعد ستة أشهر من العلاج والرعاية بدأ يستعيد نشاطه وبالطبع ليس مثل نشاطه القديم ولا حتى يبلغ معشاره ولكنه لم يمت وانتصر على الفيروس اللعين .
حدثت هذه القصة معى سنة 1990 وكان هذا الرجل يمر على راكبأ حماره ذاهبأ إلى غيطه فيلقى على السلام وهو فى غاية السعادة والنشوة , والغريب أنه استأجر رجلأ آخر زرع حقله وتفرغ هو لتجارة الغلال الزراعية وبدأ يكسب ويجنى من تجارته الكثير وأكمل تعليم أولاده وبنى لهم بيتأ جديدأ , وزوج كبيرهم وكان سعيدأ جدأ فى ليلة عرسه , وظل هكذا حتى تدهورت صحته فجأة سنة 2005 وبالطبع كان ضعيف الجسد وعنده إستسقاء فى بطنه وكان يتردد على طبيب المدينة كل عدة اشهر , ولكن الفيروس اللعين لم يفلته هذه المرة فقد وافته المنية فى شتاء عام 2006 , أى أنه عاش مصابأ بفيروس كبدى سى نشط ولكنه كان يحب الحياة ويتمسك بها ويحب أولاده فقاوم جسمه الفيروس ببسالة وهذه طبعأ مسألة طبية تعتمد على عناصر المقاومة فى جسم الإنسان .
مات الرجل عن عمر يناهز السادسة والستين , مات سعيدأ راضيأ حامدأ لله تعالى شاكرأ لأنعمه .

Sunday, May 20, 2007

حكاية عمى بطاطا

مع الإعتذار الشديد للمطرب على الحجار الذى يغنى أغنية تبدأ بهذا المقطع الجميل والذى أتمنى ألا يكون مجرد أغنية بل يتحول لحقيقة يعيشها كل إنسان مصرى بل كل إنسان عربى , فليتنا نتعلم ألا نطأطىء رؤسنا لغير الله الواحد القهار الذى يقهر الطغاة ويفنيهم فى أقل من لمح البصر , وما بين طرفة عين وأنتباهتها يغير الله من حال إلى حال .
لماذا تعودنا – نحن العرب- على الخوف من أولى الأمر لدرجة الرعب والتقديس , الأمر الذى أوحى لهم أن الشعوب تحبهم وتقدسهم وتسبح بحمدهم , مما يجعل من حولهم من حاشية وبطانة يصورون لهم الشعوب ودودة محبة لطيفة , مقبلة نحوهم , مدبرة عن غيرهم , فينام أولو الأمر سعداء مقتنعين بعدلهم المطلق وحكمهم السديد ورأيهم الفريد ومنهجهم الذى لا يأتيه الباطل .
لا يقتصر الأمر عند الرئيس والملك والسلطان والأمير , بل يتدحرج ليصل إلى المحافظ ورئيس الحى ووكيل الوزارة ومدير الإدارة , فتجد لكل من هؤلاء من يروضه ويقابله لحظة جلوسه على الكرسى وحصوله على المنصب القدسى , فيزين له الحق باطلأ والباطل حقأ فيصدقه , وهو من عاش العمر يلهث خلف منصب , وكان يؤكد لنفسه كل صباح ومساء أنه سيفعل الخير وينصر المظلوم , ويقيم العدل , ويرتقى بمستوى العمل والعامل , فإذا به يشرب منومأ أبديأ , تعود مروضو أصحاب المناصب العليا أن يصبوه صبأ فى فم الضيف الجديد , المتقلد للمنصب ليصبح طوع أمرهم ورهن إشارتهم , يأمرونه – بأسلوبهم – فيأتمر ويسوقونه فينساق , ويضيقون عليه الخناق , فمن كان مجاهدأ فى عمله مناضلأ من أجل رفعة وطنه , صوروه له بأنه المنافق المتزلق المفترى وأنه الوحيد الذى يهدده فى منصبه فيتخذه عدوأ قبل الوقوف على حقيقته , ومعرفة سليقته , فيتم إضطهاده وعلى أقل القليل يتم اصطياده , فتموت مشروعاته, وتتقوض أمنياته , فينزوى فى ركن خائفأ من حقد الحاقدين وأيادى الباطشين , وهكذا يخسر الوطن العزيز فكر إبن بار ويسقط فى بئر ضلال الإبن الضار .
ومن كان معهم فى طريق ضلالهم ودرب نفاقهم أحبوه , ومن المدير العام قربوه , ومن أشهى الأكلات أطعموه , ومن أطيب المشروبات سقوه , فهو صنعتهم ورجلهم وصورتهم الكربونية , فيكون لزامأ عليهم ضمه , ورفع غمه , وإطعام فمه , فيقربونه للضيف الجديد صاحب المنصب الفريد , ويصورونه له بطلأ همامأ وأنه هو الذى يحضر الذئب من ذيله فينخدع فيه السفيه , ويقربه لمجلسه ويصبح مدرسه فتضيع الحقيقة , عندما يصير اللص صديقه!!!
ماهى حكاية عمى بطاطا ؟
إنه عامل بسيط يعمل منذ ثلاثين عاماً فى إحدى الوزارات الخدمية ساعيأ على باب وكيل الوزارة , يحبه الجميع ويحترمونه ويقدرون سنه وجهده وكفاحه لتربية أولاده الناجحين فمنهم المدرس والمحاسب والمهندس وطبيبة الأسنان , وطبعأ ظل أولاده يترجونه أن يستقيل من عمله , ليس لأنه عامل بسيط , أو أنهم يستصغرون مهنته , بعد أن كبروا وصاروا من ذوى المراتب , ولكن لأنه تعب كثيرأ فى حياته , ويعانى من أمراض الضغط والسكر وضعف فى عضلة القلب , ولكنهم يعرفونه صلب الرأى لا يتردد فرفض وأصر أن يواصل عمله حتى المعاش وكان يقول ( العمر واحد والرب واحد )
عمى على الشهير ببطاطا ( إسم أسرتهم ) لم يعرف أن يجعل خده مداسأ لأحد بل عاش عمره يحمل كرامته فوق رأسه ويعيش بها ولها , لا يجرؤ مخلوق على إهانته , فقد كان شخصأ مهذبأ محترمأ ذا كرامة عالية وقوة شخصية يحسده عليها كل الموظفين ,
كانت له صفات عجيبة يستغرب لها زملاؤه فى العمل , فمثلأ فى إحتفالات المسلمين بالمولد النبوى الشريف يرفض إحضار العرائس والأحصنة المصنوعة من الحلوى كبقية زملائه ويقول لهم ذكرى مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام معناه أن أصلى أكثر وأقرأ قرآن و اصالح من أخاصمه وأراضى من أغضبته قبل ذلك , وعندما كانوا يذهبون لزيارة أولياء الله الصالحين وحضور مولد السيد البدوى وغيره فينفقون أموالا كثيرة فى هذا العبث , فكان يقول لهم : هذا شرك بالله تعالى لأن هؤلاء الأموات حتى لو كانوا صالحين فى حياتهم فإنهم لا ينفعون ولا يضرون فهم أموات يا عالم , والله حى لا يموت , وكان يعتبر ان الإنسان لا يسافر لأجل عبادة إلا للحج والعمرة فقط , وهكذا تمتع هذا الرجل العادى الذى يفك الخط بصعوبة بعقيدة سليمة وقلب نظيف لا يعرف غير الله الواحد الأحد , وكان يعمل معه موظف من قرية قريبة من المدينة , وكان بقريتهم شيخ ميت وله ضريح يزوره الناس من كل الأنحاء ومنهم المتعلمون , بل والحاصلون على الماجستير والدكتوراة , وكان هذا الموظف يمسك دماغ عمى على يوميأ حكايات عن كرامات هذا الشيخ المقبور , فكان عمى على ينظر له ببساطة وتعجب ويضحك من عقله وهيافته و ويقول له : أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون , ولكن لا أحد يعلم من هم غير الله يا صاحبى , اتق الله ولا تكن من المشركين , أى عقل يتمتع به عمى بطاطا ؟؟ !!
فى صباح هذا اليوم استيقظ عمى على بطاطا مبكرأ كعادته , كانت الدنيا جميلة والسماء صافية , وآذان الفجر يصدح من حوله آتيأ من كل مئذنة , خرج من منزله وصلى الفجر وعاد ليجلس مع أهله كالعادة ويتناول طعام الإفطار ليذهب إلى عمله قبل السابعة صباحأ , وهناك فى عمله كان غاية فى النشاط وكان سعيدأ كل السعادة , ولكن ماذا حدث ؟ وما الذى عكر صفو الحياة ؟
وكيل الوزارة : فين على ؟
مدير المكتب : موجود يافندم نزل تحت فى طلب أنا ارسلته وسيعود حالا
وكيل الوزارة : إزاى ينزل الحيوان ده ويسيب باب المكتب ؟
فى هذه اللحظة وصل عمى على وسمع السيد الوكيل يقول ( إزاى ينزل الحيوان ) فقال له : أنا مش حيوان يابيه
وكيل الوزارة : انت بتتكلم يا غبى كمان ؟
عمى على : أنا مش غبى يابيه وما يصحش كده , أنا رجل كبير ومحترم وأولادى فى رتب محترمة
وكيل الوزارة : أنا مالى ومال أولادك , انت بتهددنى بيهم , أنا حوريك يا حمار يا غبى !!!!
عمى على ينفعل أشد الإنفعال : أنا مش حمار يا بيه أنا إنسان زيك ويمكن أحسن عند ربنا .. ثم يسقط مغشيأ عليه .. وأسرع الجميع لإحضار مياه وعطور لكى يفيق عمى على بطاطا , ولكنه كان قد فارق الحياة , ومات بتوقف فجائى للقلب , نعم , مات وهو شريف بقوة شخصيته وقوة كرامته التى أبت أن تخضع لمخلوق أو تقبل الإهانة , لقد مات لأنه لم يتعود أن يشتمه أحد , فقد مر عليه قرابة الستين سنة – هى عمره أو أقل قليلأ – لم يسبه أحد ولم يسب مخلوقأ طوال عمره , مات بعزته وكرامته , وظل وكيل الوزارة ينظر مذهولأ له ويضرب كفاً بكف , والناس جميعأ يرمقونه بنظرة إحتقار , لأنهم جميعأ يعرفون قدر عمى على بطاطا , ذلك الرجل الذى كافح فى زمن الصعاب وعلم أولاده من مرتبه ودكان بقالة صغير ينفق عليهم من حلال ومن عرق جبينه , عاش شريفأ ومات شريفأ , فمتى يؤمن أصحاب المناصب بأحقية الآخرين فى الكرامة والعزة والإنسانية ؟ ولماذا يتناسون دائمأ أن كل إنسان مهما كان فقيرأ أو صغيرأ له كرامته وحلمه الذى يعيش له وأنه جدير بالإحترام .
هذه قصة عمى على بطاطا الذى مات أمام الجميع دون أن يطأطىء رأسه لغير الله تعالى , فياليتنا جميعأ نتعلم منه , ونحترم كرامتنا ونحترم إنسانيتنا ولا نخضع لغير الله تعالى ولا نخشى سواه سبحانه فالحياة منحة الله للعباد والرزق ضمنه الله لكل مخلوق .

الولى والمريد

(( كم أنا سعيد بزيارة رسول الله عليه الصلاة والسلام والحج إلى الكعبة الشريفة , إنه الأمل الذى راودنى طول العمر حتى تعديت سن الستين ولولا دعوات سيدى الشيخ الولى العارف بالله أبو المعارف لما كتب الله لى الحج ولما رأيت الكعبة الشريفة ولا زرت حبيبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ))
كانت هذه الخواطر تجول فى عقل الشيخ سعيد المسعود وهو فى الباخرة التى اقلعت بهم منذ ليلة أمس متجهة نحو جدة حيث يذهب بعدها لأداء مناسك الحج , ويحقق حلم عمره الذى عاش يراوده حتى تخطى الستين , لقد كانت البهجة والسعادة تغمرانه ويكاد يطير من الفرحة .
أثناء طوافه حول الكعبة رأى الشيخ الولى أبو المعارف يطوف جنباً إلى جنب معه , لم يصدق نفسه , تحرك نحوه فى الزحام الشديد , كاد يسقط ويموت عدة مرات وعينه شاخصة نحو الشيخ الولى , وعقله ذاهل , إذ كيف يترك الرجل فى بلده وقد سلم عليه وودعه بنفسه ثم يفاجأ به هنا يحج معه ؟؟ إن هذا لشىء عجيب ... سبحان الله العظيم , بركاتك يا مولانا الشيخ أبو المعارف .. هكذا كان يحدث نفسه وهو لا يزال متجهاً نحو الشيخ فى ذهول شديد .. وعندما أوشك على الإقتراب منه والإمساك بيديه لتقبيلها .. لم يجده ووجد شخصاً آخر .. فسقط فى يده ..
وبينما كان يدعو الله على جبل عرفات شاهد الشيخ الولى للمرة الثانية .. ولكن على بعد منه فأسرع نحوه بسرعة فرحاً محاولاً أن يقبل يداه ويحتضنه .. وإذا به يحتضن رجلاً إفريقياً وليس الشيخ الولى .. فرجع أسفاً وقال سبحان الله ألهذه الدرجة تكون كرامات مولاى أبو المعارف ؟؟ صحيح يا ناس أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..
وهكذا بدلاً من أن يقضى مناسك حجه عابداً لربه الذى خلقه .. قضاها ذاكراً لشيخه الولى وكراماته وظل يحكى هن هذه الكرامة لكل من كان معه وهو مذهول أشد الذهول مما رآه .. فلقد تأكد فعلاً أن الشيخ أبو المعارف هو ولى الله ,ان سره باتع وأن الله اختاره ولياً من أهل الخطوة , .
أمضى سعيد المسعود كل المناسك وجهز نفسه للرحيل , بعد أن صار الحاج سعيد المسعود واشترى هدية قيمة للشيخ أبو المعارف وعندما رجع إلى بلده لم يدخل بيته قبل أن يسلم على الشيخ أبو المعارف فأسرع سعيد نحو الولى وكان يجلس مع عدد كبير من المريدين والفقراء واصحاب الحاجات فاحتضنه بقوة وراح يقبل يديه بحرارة شديدة , وقص عليه أمام مريديه ما رآه فى الحج فنظر إليه الشيخ الولى فى عجب وثقة قائلاً : سعيد يا بنى حذارى من إفشاء السر ودع الملك للمالك .
فرد قائلاً وهو يجهش بالبكاء : سمعاً وطاعة يا سيدى الولى .

عصاتى ومعزاتى

""يحكى أنه فى العصور السابقة ذهب قوم من الدعاة لنشر دين الله تعالى فوقع نظرهم على جزيرة نائية مهجورة فلم يتوقعوا وجود أحد يقطنها ولكنهم حتى يريحوا ضمائرهم صمموا على التوجه إليها بمركبهم , فلما أتوها ورست مركبتهم على شاطئها نظروا فوجدوا خيمة بسيطة وبعض الأطفال وسيدة هى أمهم ورأوا رجلاً يرعى بعض الأغنام ويلبس ثياباً رثة فتوجهوا نحوه وسألوه : هل تعرف الله خالق الأرض والسماء والحياة ؟؟ قال نعم أعرفه فقالوا : وهل تعبده ؟؟ فقال نعم أعبده فقالوا كيف تعبد الله تعالى ؟؟ فقال : أقول كلما طلعت الشمس أو غربت : عصاتى ومعزاتى يارب اغفر لى سيئاتى فتعصب عليه أحدهم وقال له : أهذه صلواتك يا رجل ؟؟ هل هذا كل ما عرفته عن عبادة الله تعالى وعن دينه ؟؟ فقال نعم لا أعرف غير ذلك ... فقالوا لبعضهم إنه معذور فمن الذى يعلمه دين الله فى هذه الجزيرة المهجورة ؟ عموماً علينا أن نعلمه أصول الدين حتى نخلص من ذنبه .. وقضوا معه يوماً كاملاً يعلمونه أصول الدين والتدين من الألف إلى الياء ولم يتركوه حتى تأكدوا أنه قد استوعب الدرس وفهمه جيداً فغادروه مطمئنين ودعا لهم بالتوفيق والسداد وبعد أن تركوه وركبوا مركبتهم وتحركوا داخل البحر نسى الرجل كل ما قيل له من تعاليم الدين فأسرع ليلحق بهم وإذا به يسير فوق الماء بسرعة مذهلة حتى أصبح قاب قوسين أو أدنى من مركبهم فقال لهم بالله عليكم لقد نسيت كل شىء فنظروا له جميعاً فى عجب شديد حيث رأوه يسير على الماء دون أن يدرى فأدركوا قيمته عند الله لأنه إنسان طيب وعلى الفطرة ولم يؤذ أحداً طوال حياته فأحبه الله تعالى لدرجة أنه يسير على الماء دون أن يدرى وهم يحتاجون لركوب المركب ليعبروا به إلى الشاطىء الآخر رغم أنهم وهبوا حياتهم للدين والدعوة فقالوا له : عد ايها الشيخ من حيث جئت واعبد ربك بالطريقة التى تعبده بها فأنت أفضل منا جميعاً عند الله تعالى والبرهان واضح أمام عيوننا جميعاً فتركهم عائداً إلى أهله وأغنامه وهو يردد عصاتى ومعزاتى يارب اغفر لى سيئاتى "".
لست صوفياً ولن أكون ولا أؤمن بالخرافات ولا توجد معجزات لغير الأنبياء والمرسلين أللهم إلا المعجزات العلمية مثل الإختراعات المذهلة كالكمبيوتر والإنترنت والراديو والتلفزيون والموبايل وغيرهم ..
لقد سقت هذه القصة الجميلة التى كان ابى يقولها لى كلما ضيقت عليهم الخناق فى الصلوات والفرائض فى بداية شبابى وايام النشوة والرعونة وعندما كنت أظن أننى سأصلح الكون وأغير السىء إلى الأصلح فكنت متشدداً لدرجة كبيرة ولكن الله تعالى تولانى برحمته فكرهت التشدد والعصبية وآثرت التسامح والحب وهما أعظم ما تعلمت من كتاب الله تعالى الذى قص علينا خلق الأنبياء والمرسلين والصالحين من عباد الله تعالى وعلمنا كيف نخاطب الناس وحتى هؤلاء الذين يخالفوننا الرأى والفكر والدين وانظروا جميعأ كيف طلب الله من نبيه موسى أن يخاطب الفرعون وبأى اسلوب ؟ هل طلب منه أن يعنفه أو يضغط عليه أو يخيفه أو يقول له يا كافر ... لا بل ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ) , وتعلمنا كيف نعفو عند المقدرة وكيف ننشر روح التسامح والمحبة , وتعلمنا من القرآن العظيم كيف نتعامل مع الآخر بكل محبة وتسامح ولا نفرض عقائدنا على مخلوق ولا نقهر أحداً لكى يؤمن بما نؤمن به أو يفعل ما نفعله , بل دعوة سلمية كلها المحبة والحكمة والموعظة الحسنة , والمجادلة بالتى هى أحسن لأن الله تعالى هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين .
ألقصة البسيطة التى سقتها فى البداية تحمل بعض المعانى الهامة وعلى رأسها أن الله تعالى يحب الإنسان الذى لا يؤذى الآخرين ولا يحمل فى قلبه حقداً أو غلاً تجاههم ولا يغتابهم ولا يتناولهم بالسباب واللعنات ولا يحقر من شأنهم ولا ينقص من قدرهم ويقابلهم بوجه بشوش صبوح ولا يتوعدهم فى كل وقت بالويل والثبور وعظائم الأمور , يحب الله تعالى الإنسان الذى يهتم بأمره وشئونه ويسعى من أجل العيش الحلال ويشارك فى بناء وطنه بكل ما حباه الرحمن من علم وقوة وشباب وصحة , ويسعى فى الأرض ليصلح فيها لا ليفسد فيها ويعمرها لا ليهدمها ولينيرها بفكره وعلمه ونظرياته لا ليملأها ظلاماً وظلماً , ولينشر مبادىء العدل والسلام والحب أينما ذهب وأينما راح , لا ليعيث فيها فسادأ ويهلك الحرث والنسل , يحب الله السلام ودعاته والعدل ورجاله والحب وكماله , ولا يحب القتل والقتال ( إلا من أجل الحق ) ولا يحب الله الظلم ولا يحب الله الكره والحقد .
لا أطلب أن نعتزل عن الناس فى جزيرة كما فعل بطل القصة السابقة ولكن أتمنى أن نطهر قلوبنا وألا نتمنى جهنم لغيرنا وأن ندعو بالجنة والمغفرة لكل إنسان , فمن يدرى ؟ الا يمكن لكافر أن يتوب فجأة ويصبح من الصالحين ؟ بل إن التاريخ ملىء بكافرين تابوا وعرفوا ربهم وعبدوه فاستحقوا عفوه ومغفرته , والتاريخ ملىء بمؤمنين كفروا وعصوا وارتكبوا الفحشاء والمنكرات وماتوا على ذلك فاستحقوا غضب الله وعذابه وسخطه .
قضيتى الرئيسية هى أن نؤمن جميعاً أن تقييم التقوى والإيمان مرده إلى الواحد الديان وليس من حق مخلوق أن يتدخل فى قلب إنسان ويفتش فيه ويصدر عليه أحكاماً متقمصاً دور الله تعالى عما يشركون , يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور , وعيب على الواحد منا أن يزكى نفسه أو يعتقد أنه من المفلحين فهو بذلك يأمن مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون , فمهما كان عند الإنسان من علم فهو جاهل لو قارن نفسه بالكون العظيم , ومهما قرأ وتثقف وشعر أنه امتلأ علماً وفكراً وفهماً فعلمه قطرة من محيط بل أقل , وفوق كل ذى علم عليم .
أرجو أن ألا نجعل للحقد مكاناً فى القلوب , وأن نستبدله بحب وسلام وجمال وكمال , أرجو أن نتعامل مع بعضنا البعض بروح الجسد الواحد الذى لو مرض منه عضو لسهر له بقية الأعضاء حتى يشفى , ارجو ألا نحاسب بعضنا على المعتقدات والأفكار والآراء وأن يكون النقد بناءأ وذا أغراض شريفة وأن يقدم كل منا أغلى ما عنده من أجل سعادة بلده وأهله وكل من حوله ولنتأكد جميعاً أن يوم العرض على الرحمن آت لا ريب فيه , وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون .

جنون


نظر إلى بعينيه الحمراوين المتورمتين من كثرة معاناته مع الحبل الذى التف حول جسمه فى عنف ثم سألنى : هل أنت طبيب ؟؟ وقد ارتمى على الأرض ووصل التراب إلى فمه وأنفه , فجريت مسرعأ نحوه متسائلأ :
كيف تفعلون به ذلك أيها المجرمون ؟
فردنى رجلان بأيديهما قائلين :
مالكش دعوة خليك بعيد ..
قلت لهم إننى أعرف هذا الإنسان إنه موظف فى المكان الفلانى وله أصدقاء كثيرون يحبهم ويحبونه .. واقتربت منه قليلأ وقلت له : مابك يا أخى فقال ضاحكأ بهيستريا :
هل أنت طبيب ؟ فقلت له : نعم ولكننى طبيب باطنى .. ثم سألته : ماذا بك ؟ ولماذا يربطونك بهذا الحبل ؟
فقال : مش عارف بس أنا مبسوط كده !!!
وبعد دقائق حملوه فى سيارة أجرة وذهبوا به إلى مستشفى الأمراض العقلية . ونظرت له وكان يصرخ وهم يحملونه فيما بينهم وكان وجهه شديد الإحمرار وتوجد تسلخات كبيرة فى ساقيه ولا يرتدى سوى ملابسه الداخليه .. وقبل أن تتحرك السيارة سألت أخيه : بالله عليك ماذا حدث ؟
فقال : لقد أنقذنا أطفالنا وهو يحبسهم جميعأ فى غرفة واحدة ويجهز الغاز ليشعل فيهم النار .. ثم جرى أمامنا وكاد يلقى بنفسه من البلكون لولا لحقناه على آخر لحظة ..
فقلت : لقد كان شخصاً طبيعيأ حتى وقت قريب !!
سقطت من عينى دموع كثيرة فأنا أعرفه منذ كان طالبأ يكافح ويتفوق فى دراسته حتى دخل كلية الهندسة ولكنه لم يجد فرصته فعينوه فنيأ فى إحدى الإدارات الصحية بمرتب لا يكفى ثلاثة ايام فى الشهر لدرجة أنه قد تخطى الأربعين دون زواج .. قلت لنفسى : وهل هذه أسباب كافية للجنون ؟ الأمر خطير جدأ بهذه الطريقة فماذا سيحدث لباقى الشباب ؟ هل سيصيبهم الجنون ؟
لقد كان ذكيأ جدأ وكانت له قصة حب جميلة عرفها القاصى والدانى .. حب عفيف وكان يكتب شعرأ وزجلأ فى حبيبته يقرؤه لنا كله تكريم لها وهيام بها وكأنه طائر يحلق بجناحيه فى سماء المحبة ..
ماذا دهاه ؟ وما الذى قضى عليه ؟
بعد أربعة أشهر من ذلك الموقف المحزن كنت أمر أمام بيتهم فى إحدى الحوارى فرأيته يجلس على كرسى متحرك ولا يرتدى سوى ملابس داخليه فهممت نحوه ومددت له يدى بالسلام فضحك بشكل هستيرى فتخيلت أنه لم يزل مجنوناً .. ولكننى عندما اقتربت منه أكثر وجدت ساقيه مبتورتين .. فكدت أسقط مغشياً على ّ وسألت من معه فى الفرندة :
ماهذا ؟ ماذا حدث ؟
فقالوا لقد تمكن من الهرب من مستشفى الأمراض العقلية وكان يجرى مسرعأ فدهمته سيارة سريعة وتسببت له فى بتر ساقيه .. كدت أموت من هول ما رأيت وجففت عرقى وتركتهم دون أن أعرف إن كنت ألقيت عليهم سلامأ أم لا ... لعنت الدنيا وقرفت من كل شىء فيها .. لقد كان هذا الشاب مثل وردة البستان المتفتحة .. ما الذى حطمه ؟ وأين آماله وأحلامه ؟؟
بالأمس فقط كنت أمر أمام منزلهم فرأيت صيواناً للعزاء .. فأسرعت لأسأل عن إسم المتوفى فكان هو .. نعم لقد مات .. مات